سباق مع الزمن قبل نفاد المخزونات:
العالم يواجه صدمة الطاقة الأكبر تاريخياً في مضيق هرمز
تسبب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران بشلل ملاحي في مضيق هرمز بنسبة تسعين بالمئة ما يهدد بنفاد مخزونات الطاقة العالمية وينذر بتصعيد عسكري وشيك
سعيد محمد*
تتجه أنظار الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في شتى أرجاء المعمورة ببالغ القلق والترقب نحو مضيق هرمز الذي يمر حالياً بواحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والعسكرية في التاريخ الحديث. وتحول هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط منتجي النفط والغاز والكيمياويات في الخليج بالأسواق العالمية إلى منطقة نزاع مسلح مغلقة فعلياً أمام حركة الملاحة التجارية المنتظمة بعدما شنت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل عدواناً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ردت بتقييد حركة المرور في المضيق. وانخفضت حركة السفن التجارية إلى أقل من عشرة سفن يومياً بعدما كانت تصل إلى مائة وثماني وثلاثين سفينة يومياً قبل العدوان الذي دخل أسبوعه الرابع.
وتشير البيانات المجمعة من مراكز التحليل البحري الموثوقة إلى انخفاض حاد في حجم الحركة الملاحية داخل المضيق بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة منذ اندلاع الأعمال العدائية قبل نحو أربعة أسابيع حيث اقتصرت حركة العبور في شهر مارس الحالي على عدد محدود جداً من السفن لا يتجاوز مائة وخمسين ناقلة وحاوية، وهو رقم يقل عما كان يسجله المضيق في يوم واحد قبل نشوب الحرب. حالة الشلل شبه التام التي أصابت شريان الطاقة العالمي أدت كذلك إلى احتجاز أكثر من ألفي سفينة داخل مياه الخليج، وما يقرب من عشرين ألف بحار يعانون من ظروف قاسية ونقص في الإمدادات الضرورية مع تعذر خروجهم الآمن بسبب التهديدات العسكرية المباشرة والألغام البحرية والهجمات التي طالت أكثر من عشرين سفينة تجارية وأسفرت عن وقوع ضحايا من أطقم الملاحة الدولية.
وتهيمن إيران حالياً على الموقف الميداني عبر فرض ما يصفه الخبراء الدوليون بنظام “نقطة التحصيل” أو “بوابة الرسوم” حيث أجبرت السفن الراغبة في العبور على هجر الممرات الملاحية الدولية التقليدية والالتفاف نحو ممر بديل يقع بالكامل داخل المياه الإقليمية الإيرانية وتحديداً شمال جزيرة لارك لتمكين الحرس الثوري الإيراني من إجراء عمليات فحص بصرية وتدقيق أمني لهوية الحمولة والوجهة وتحديد ما إذا كانت السفينة تتبع لدول “معادية” وفق التصنيف الإيراني – الذي يمنع بشكل قاطع مرور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل أو تلك التي تقدم دعماً لعملياتهما العسكرية -.
وتتواتر التقارير عن قيام بعض شركات الشحن الدولية بدفع مبالغ مالية طائلة تصل إلى مليوني دولار عن الناقلة الواحدة لضمان الحصول على كود عبور آمن من السلطات الإيرانية مع اشتراط تسوية هذه المبالغ بعملة اليوان الصيني للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على النظام المالي الإيراني وعلى الحرس الثوري المصنف كمنظمة إرهابية لدى واشنطن. ويخاطر ملاكو السفن بالتورط في مأزق قانوني وجنائي دولي يتعلق بتمويل الإرهاب رغم الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تدفعهم للمخاطرة بالعبور في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار النفط التي تجاوزت مائة وثمانية دولارات للبرميل الواحد نتيجة نقص الإمدادات وزيادة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب بنسب وصلت إلى مئات الأضعاف.
وقد انعكست هذه الأزمة بشكل صاعق على الاقتصاد العالمي خاصة في دول شرق آسيا مثل الصين والهند واليابان التي تعتمد بشكل حيوي على النفط والغاز القادم من الخليج، وكذلك على القارة الأوروبية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تتخطى سبعين بالمئة ما دفع المفوضية الأوروبية إلى إصدار توجيهات عاجلة للدول الأعضاء ببدء ملء مخزونات الغاز مبكراً اعتباراً من شهر أبريل / نيسان المقبل لمواجهة الشتاء القادم وتأمين بدائل طاقة مستقرة في ظل تعطل وصول شحنات الغاز المسال القادمة من قطر والإمارات عبر هرمز. وكانت يمر عبر هذا المضيق أكثر من خمس الإنتاج العالمي من النفط ومشتقاته وقرابة عشرين بالمئة من تجارة الغاز المسال العالمية بالإضافة إلى ثلث تجارة الأسمدة الضرورية لإنتاج الغذاء العالمي.
الدول الأوروبية تبنت مواقف تتسم بمزيج من التخطيط العسكري الدفاعي والتحرك الدبلوماسي الحذر. وتقود فرنسا جهوداً للتواصل مع خمس وثلاثين دولة بغرض بحث إمكانية إطلاق مهمة بحرية دولية تهدف إلى إزالة الألغام وتأمين ممرات العبور بمجرد توفر الظروف السياسية الملائمة مع التأكيد على ضرورة التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية لضمان سلامة البحارة. على أن بريطانيا في المقابل تبحث مع حلفائها في مجموعة السبع والولايات المتحدة خططاً لفتح المضيق بالقوة أو عبر ترتيبات أمنية متعددة الأطراف تضمن حرية الملاحة التي كفلتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار رغم أن إيران لا تعترف بصفة “المياه الدولية” للمضيق، وتصر على ممارسة سيادتها الكاملة عليه باعتباره ممراً يقع ضمن مياهها الإقليمية والمنطقة المتاخمة لها.
وللتعامل مع تداعيات الأزمة داخلياً، شرعت الحكومات الأوروبية بمناقشة إجراءات مالية لدعم الفئات الشعبية الأكثر تضرراً من ارتفاع تكاليف الطاقة وحث الشركات والمستهلكين الصناعيين على تحسين كفاءة الاستهلاك.
وتراقب العواصم الأوروبية التحركات الإيرانية في هذا الخصوص والتي بدأت تتباين في التعامل بين الدول الأوروبية بناء على مواقفها السياسية من الصراع. وكانت طهران قد أبدت انفتاحاً لاستقبال طلبات مرور السفن الإسبانية بحكم انتقادات رئيس الوزراء الإسباني للهجمات العسكرية على إيران، ما اعتبره دبلوماسيون أوروبيون توظيفاً للمضيق كأداة سياسية تستخدمها الجمهورية الإسلامية للضغط على المجتمع الدولي وكسر الحصار المفروض عليها مع محاولة جني إيرادات مالية ضخمة – تقدرها بعض المصادر بما يتراوح بين سبعين وثمانين مليار دولار سنوياً في حال مأسسة نظام الرسوم الجديد -.
وبحسب الخبراء، فقد أدى انخفض تدفق النفط اليومي عبر هرمز من عشرين مليون برميل إلى نحو مليونين وسبعمائة ألف برميل فقط إلى تآكل حاد في أمن الطاقة العالمي وتسبب في صدمة إمداد هي الأكبر تاريخياً أدت إلى قفزة في أسعار خام برنت بنسبة تتجاوز أربعين بالمئة. وسجلت المصادر المعنية بتجارة النفط والغاز توقفاً شبه كامل لصادرات الغاز المسال القطرية والإماراتية المتجهة نحو الغرب، وتوجيه الشحنات الانتقائية المتبقية نحو مصاف في الصين والهند حصراً عبر الممرات الخاضعة لإشراف الحرس الثوري الإيراني.
وقد وضع هذا التراجع الحاد في إمدادات الطاقة الاستراتيجية الدول المستهلكة أمام اختبار زمني حرج، حيث بدأت الدول الآسيوية والأوروبية بالسحب من احتياطياتها لمواجهة العجز. وينذر ذلك الآن بنفاد المخزونات الهندية بحلول نهاية أبريل القادم، وبلوغ الدول الأوروبية واليابانية مرحلة الخطر الشديد في يونيو المقبل في ظل عجز خطوط الأنابيب البديلة عن استيعاب أكثر من خمسة عشر بالمئة من الأحجام المفقودة. ومن شأن ذلك أن يعزز الضغوط على واشنطن إما لإنهاء العدوان والتوصل مع الإيرانيين إلى ترتيب لاستئناف الملاحة، أو القيام بعملية عسكرية لتطهير المضيق والسيطرة على مفاصل تصدير النفط الإيراني في جزيرة خارق لإنهاء حال الارتهان الاقتصادي الدولي لمطالب طهران السياسية.
وإلى أن تحسم واشنطن موقفها يستمر الحرس الثوري الإيراني بالتحكم بالحركة في المضيق بشروط تفرض واقعاً قانونياً وملاحياً جديداً ينهي عقوداً من حرية الملاحة المجانية غير المشروطة في واحد من أهم الممرات المائية في كوكب الأرض.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-03-29