عالم بلا مركز: انكشاف النظام وأزمة الفاعلية وتحولات المعنى!
بقلم: خالد صالح عطية
خلاصة تحليلية
ينطلق هذا النص من فرضية مفصلية مفادها أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد اختلال في “النظام الدولي”، بل انكشاف لحدوده البنيوية، وربما لغيابه أصلاً بوصفه بنية قادرة على إنتاج الاستقرار. وفي هذا الإطار، يستند التحليل إلى مفهوم “الفخّ المركّب” كما قدّمته الدكتورة غانية ملحيس، بوصفه بنية تتداخل فيها الأزمات وتُعاد إنتاج ذاتها، بحيث لا تعود الحروب استثناءً، بل آلية اشتغال دائمة.
في هذا السياق، لم تعد القوة قادرة على الحسم، بل تحولت إلى أداة لإدارة الصراع، ولم تعد الفاعلية تُقاس بقدرتها على فرض النتائج، بل بقدرتها على التأثير داخل مسارات مفتوحة بلا نهايات واضحة.
كما يكشف النص عن تحوّل موازٍ في موقع الأخلاق، من معيار مستقل للحكم إلى عنصر داخل بنية الصراع، يُعاد توظيفه ضمن علاقات القوة، دون أن يفقد تماماً إمكانه بوصفه أفقاً للمقاومة وإرباك الشرعية.
وعبر قراءة نظرية وتطبيقية تتقاطع فيها حالات فلسطين ولبنان وإيران، يحاول النص تفكيك اشتغال هذا “الفخّ المركّب”، حيث يصبح الفعل ضرورياً رغم محدوديته، والتغيير ممكناً فقط عبر انزياحات تدريجية في شروط الإمكان.
في المحصلة، لا يسعى النص إلى تقديم إجابات نهائية، بل إلى إعادة بناء الأسئلة، بوصف ذلك شرطاً لفهم عالم لم يعد ينتج معانيه وفق القواعد التي اعتدناها.
مقدمة: حين يصبح السؤال أهم من الإجابة
في لحظات تاريخية معينة، لا يكون التحدي في نقص الإجابات، بل في خطأ الأسئلة.
فالأسئلة التي صاغت وعينا بالعالم طوال عقود—عن النظام، والتوازن، والردع، والفاعلية—نشأت في سياق تاريخي كان يفترض وجود بنية مستقرة نسبياً، يمكن للفعل السياسي أن يتحرك داخلها، وأن يُنتج أثراً قابلاً للتراكم.
غير أن ما يشهده العالم اليوم، خصوصاً في الشرق الأوسط، لا يبدو مجرد أزمة داخل هذا النظام، بل انزياحاً أعمق يمس بنيته ذاتها.
لم تعد الحروب تُقرأ كاختلالات طارئة، ولا كوسائل لإعادة إنتاج التوازن، بل كأعراض لبنية لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار أصلاً.
في هذا النص، لا يعود السؤال: من ينتصر؟
بل: ماذا تبقى من فكرة الانتصار نفسها؟
ولا: من يملك القوة؟
بل: ماذا تعني القوة حين تفقد قدرتها على إنتاج نظام؟
ولا: كيف نؤثر؟
بل: هل ما تزال شروط التأثير قائمة أصلاً؟
ينطلق هذا النص من هذا التحول في مستوى السؤال.
فهو لا يسعى إلى تقديم قراءة سياسية مباشرة للأحداث، بقدر ما يحاول مساءلة الإطار الذي نفهم من خلاله هذه الأحداث.
أي أنه لا يقف عند حدود تحليل الصراع، بل ينتقل إلى تحليل الشروط التي تجعل هذا التحليل ممكناً أو مضللاً.
وفي هذا المعنى، لا تتعامل النصوص الخمسة التي يتكون منها هذا النص مع “الشرق الأوسط” بوصفه مجرد ساحة صراع، بل بوصفه فضاءً تتكثف فيه تحولات أوسع تمس طبيعة النظام الدولي، ووظيفة القوة، وحدود الفاعلية السياسية.
كما لا ينطلق هذا النص من افتراض وجود نظام قائم يجري اختباره، بل يضع احتمالاً أكثر جذرية:
أن ما نعيشه هو لحظة انكشاف، لا اختبار.
انكشاف أن ما بدا نظاماً لعقود، كان في جوهره ترتيباً هشاً لإدارة الاختلال، لا بنية قادرة على تجاوزه.
وفي هذا المستوى، لا تعود الغاية من الكتابة تقديم أجوبة،
بل إعادة بناء الأسئلة.
ليس بوصف ذلك تمريناً نظرياً،
بل ضرورة لفهم عالم لم يعد ينتج معانيه وفق القواعد التي اعتدناها.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة هذا النص بوصفه جهداً فردياً معزولاً، بل هو امتداد لحوار فكري تراكمي، تشكّل عبر الاشتباك مع ما قدّمته الدكتورة غانية ملحيس في نصوصها العميقة حول “الفخ المركّب”، والتي أسهمت في فتح أفق نظري مختلف لفهم طبيعة التحولات الجارية، وفي نقل النقاش من تحليل الوقائع إلى مساءلة البنى التي تنتجها.
كما لا ينفصل هذا النص عن الحوارات الفكرية التي دارت حول تلك النصوص، وما حملته من أسئلة وإشكالات، سواء في تفاعلات الكاتبة نفسها أو في المداخلات التي قدّمها نائل التونسي، والتي أسهمت في توسيع أفق النقاش وربطه بتجلياته التطبيقية.
بهذا المعنى، فإن ما يرد هنا لا يدّعي الاكتمال، بل يتشكّل داخل هذا الحوار، ويتغذى منه، ويحاول أن يطوّر بعض مساراته.
وإذا كان لهذا النص أن يبلغ هذا المستوى من الاشتباك، فإن ذلك يعود، في جزء أساسي منه، إلى هذا التفاعل الفكري الحي، الذي أعاد طرح الأسئلة من جذورها، وفتح المجال أمام إعادة التفكير في مفاهيم بدت لوقت طويل مستقرة.
(1) حين انكشف النظام: من اختبار القوة إلى وهمها
في لحظات الحروب الكبرى، يميل التحليل السياسي إلى البحث عن إجابات داخل الإطار الذي نعرفه: من ينتصر؟ من يخسر؟ وكيف ستُعاد صياغة موازين القوة؟
لكن ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط، وفي العالم عموماً، يفرض سؤالاً مختلفاً:
هل ما نراه هو صراع داخل نظام قائم، أم انكشاف لغياب هذا النظام أصلاً؟
لطالما جرى التعامل مع “النظام الدولي” بوصفه بنية مستقرة نسبياً، تقوم على قواعد وتوازنات ومراكز قوة قادرة – بدرجات متفاوتة – على ضبط الصراعات أو احتوائها. وحتى في لحظات الاختلال، كان يُفترض أن هذا النظام يمتلك قدرة ذاتية على إعادة إنتاج توازنه.
غير أن الحروب المتداخلة التي نشهدها اليوم، من غزة إلى إيران ولبنان، لا تبدو مجرد اختلالات داخل نظام قائم، بل تكشف شيئاً أعمق:
أن ما كنا نسميه “نظاماً” قد لا يكون كذلك بالمعنى الحقيقي، بل مجرد نمط لإدارة الاختلال، لا لتجاوزه.
في هذا السياق، يصبح من الصعب الحديث عن “اختبار النظام”، لأن الاختبار يفترض وجود بنية قابلة للفحص. أما ما نراه، فهو أقرب إلى انكشاف تدريجي لوهم هذه البنية، حيث تتكاثر الأزمات دون أن تُحل، وتتحول الحروب من أحداث استثنائية إلى آلية اشتغال دائمة.
هنا تبرز أهمية مفهوم “الفخ المركّب” الذي قدمته الدكتور غانية ملحيس عبر سلسلتها ، والذي يصف حالة تتقاطع فيها الأزمات العسكرية والاقتصادية والطاقوية والسياسية، بحيث لا تعود منفصلة، بل تصبح جزءاً من شبكة تعيد إنتاج نفسها. وفي مثل هذه الحالة، لا تعود الحروب مجرد نتائج للأزمات، بل تتحول إلى أدوات لإدارتها، وإلى وسيلة لإبقاء التوازنات ضمن حدود غير مستقرة.
هذا التحول يغيّر طبيعة السؤال نفسه.
فبدلاً من البحث عن مآلات الحرب، يصبح السؤال:
هل ما نراه هو صراع داخل نظام، أم نمط اشتغال لعالم فقد قدرته على أن يكون نظاماً؟
ولعل المفارقة الأبرز أن هذا “اللا-نظام” لا يعني الفوضى الكاملة، بل نوعاً من الانتظام المختلف، حيث تُدار الأزمات بدل أن تُحل، وتُستخدم القوة ليس لإنهاء الصراع، بل لإبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها.
من هنا، لا يبدو الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع، بل أحد المختبرات الرئيسية لهذا التحول، حيث تتقاطع الجغرافيا بالطاقة، والسياسة بالهوية، في فضاء يعكس حالة عالمية أوسع.
وفي مثل هذه اللحظة، لا يكون السؤال فقط ما الذي يحدث،
بل: هل ما زلنا نمتلك المفاهيم المناسبة لفهم ما يحدث؟
هذا السؤال، في جوهره، ليس سياسياً فقط، بل معرفي أيضاً. لأنه يضعنا أمام احتمال أن الأدوات التي نستخدمها لقراءة العالم، قد أصبحت جزءاً من المشكلة، لا وسيلة لحلها.
(2) القوة التي لم تعد تحسم: من إنتاج النظام إلى إدارة الفوضى
إذا كان انكشاف وهم “النظام الدولي” يفتح الباب لإعادة النظر في بنية العالم، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إلحاحاً:
ماذا تبقى من معنى القوة داخل عالم لم يعد ينتج نظاماً؟
تاريخياً، لم تكن القوة مجرد قدرة على التدمير، بل كانت – بالمعنى الأعمق – قدرة على فرض نظام، وإنتاج قواعد، وصياغة استقرار يمكن التنبؤ به. بهذا المعنى، كانت القوة تُقاس بقدرتها على إنهاء الصراعات، أو على الأقل احتوائها ضمن إطار قابل للاستمرار.
غير أن ما نشهده اليوم يكشف عن تحوّل نوعي في وظيفة القوة ذاتها.
فالعالم لم يفقد أدواته التدميرية، بل على العكس، بلغت هذه الأدوات مستويات غير مسبوقة من التطور والدقة. لكن المفارقة تكمن في أن هذه القوة، رغم تضخمها، لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار، بل تبدو عاجزة حتى عن الحفاظ عليه.
هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط باختلال في موازين القوة، بل يعكس تغيراً أعمق في طبيعتها ووظيفتها.
في الحروب المعاصرة، لا تُستخدم القوة بالضرورة للحسم، بل لإدارة الصراع ضمن حدود معينة. فالضربات العسكرية، مهما بلغت شدتها، نادراً ما تهدف إلى إنهاء الحرب، بل إلى إعادة ضبط إيقاعها. والردود، مهما بدت عنيفة، غالباً ما تبقى ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
بهذا المعنى، لم تعد القوة أداة لإغلاق الصراع، بل أصبحت أداة لإبقائه مفتوحاً.
هذه المفارقة تتعزز مع تحولات مادية في بنية القوة نفسها. فانتشار أدوات منخفضة الكلفة – كالصواريخ والطائرات المسيّرة – أعاد توزيع عناصر القوة، وقلّص من احتكارها التقليدي. لم يعد التفوق التكنولوجي كافياً للحسم، لأن القدرة على الاستنزاف أصبحت عاملاً حاسماً بحد ذاتها.
وهنا يظهر تحول آخر:
للمزيد اضغط على الرابط
https://www.alquds.com/ar/community/2572?fbclid=IwY2xjawQw0YBleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeAAblT_rhDDmpf9x7KLfx2Mwu2B92awJ0ks55jVkn27FzvGiJ41yg5odZ_3o_aem_NypY6k11l_bc5tOsg-WLaw
25مارس 2026