تناقضات حرب تشكيل الشرق الأوسط!
جمال الطاهات
أولاً: طبيعة هذه الحرب وآفاقها
حرب الخليج الثانية 1991 عمدت إلى حماية شكل الإقليم بعد الحرب الباردة، ومنعت تسييله. والآن نحن أمام حرب انطلقت لتفرض منظومة قوى إقليمية جديدة. فالحرب الحالية، تتحدد نتائجها بحيثياتها، ولا توجد لها خطوط نهاية واضحة، لهذا هي حرب تتحدد نتائجها بالمسارات التي تأخذها. فلا توجد قوة تستطيع أن تقرر خطوط نهاية هذه الحرب. فهي مفتوحة على خيارات أبرز ما فيها أنها نشأت بسبب رفض أطرافها إبقاء الحال الذي كان سائداً قبلها. فلن تنتهي هذه الحرب لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبلها، بل هي بدأت كشرارة لتفاعلات متسلسلة، ستولد إقليم بملامح جديدة، ترسمها علاقات قوى غير معهودة في السابق.
الحروب، كل الحروب، تنطوي على تناقضات جوهرية، فبمقدار ما تتشكل الحرب من دم وحديد ونار، بمقدار ما تنتمي كل من أسبابها ونتائجها إلى فضاءات مختلفة نوعياً عن طبيعتها. وهناك عدد من التناقضات البنيوية التي تنتمي إلى طبيعة الحرب نفسها، وعلاقتها بحياة الشعوب والدول، وربما أهمها الذي يكشف طبيعتها وهو التناقض الذي تنطوي عليه إرادة الحرب.
ثانياً: تناقض ذاتية إرادة الحرب وموضوعيتها:
وهي أولى التناقضات التي تكشف عن مأساوية الحرب (كل حرب)، وتساعد على اكتشاف العقلانية و”اللا عقلانية” فيها. إذ تتشكل إرادة القتال وتتولد في فضاءات بعيدة عن ساحات الاحتدام. ولكنها يعاد صهرها وتشكيلها في أتون المعركة. فالمتحاربون، وبغض النظر عن موازين القوى بينهم، لا يملكون التحكم بإراداتهم. إذ تتشكل إرادة الحرب والقتال تحت ضغط وقائع لا يمكن السيطرة عليها واخضاعها للإرادة. فإرادة الحرب تنتمي إلى عالم الفيلسوف الألماني شوبنهور. من حيث استقلال الإرادة وعدم خضوع عملية تشكلها لنفسها (ولا تتشكل الإرادة بإرادة تعلوها). فإرادة الحرب (عند أطرافها) تتشكل في مستويات لا يمكن التحكم بها. ومنذ لحظتها الأولى تقود إرادة الحرب أطرافها، وتهيمن عليهم.
ولكن مسارات الحرب وحيثياتها هي من تعيد تشكيل إرادة أطرافها، وتدفعهم للتعايش والتقدم بتسويات مع الواقع المرسوم بالدم والحديد والنار. فالحرب ببساطة تحرر أطرافها من هيمنة إرادتهم المنفلتة عليهم. ولكنها تهدف إلى إعادة تشكيل وضبط هذه الإرادات المنفلتة، وتصوغها بقوالب جديدة.
أمريكياً، أقدموا على خيار الحرب من اجل تعزيز مكتسبات سابقة، وتكريس واقع يديم هذه المكتسبات لعقود قادمة. فالحرب من حيث هي خيار بالنسبة للولايات المتحدة، حملت على هدف تأبيد هيمنتها على الإقليم كما تشكلت عبر العقود القليلة الماضية، بسبب الخصائص الموضوعية للإقليم من حيث الموقع الجغرافي ومن حيث توافر النفط. يضاف إلى ذلك الشعور بفائض القوة. فكل حسابات الحرب وهندستها تؤكد على تفوق امريكي ساحق، تغريها بتحقيق نتائج ومكتسبات كبيرة بكلف تقترب من الصفر. كما أن الحرب بدت بالنسبة لترامب وسيلة للخروج من مازقه السياسي داخل الولايات المتحدة، وأيضاً ضمانة لاحتفاظ الولايات المتحدة بوسيلة (منابع النفط وخطوط توريده) لخنق المنافس الجديد (الصين)، ولتطويع شركائه السابقين عبر الأطلسي للقبول بإملاءاته الجديدة المنسجمة مع متطلبات الولايات المتحدة لمرحلة التعددية القطبية. ولكن هذا قد يجعل الولايات المتحدة أقرب إلى التخلي عن خيار الحرب، إذا تبين ارتفاع كلفتها، وخصوصاً أن كل ما يصنف من عوامل تشكيل الإرادة بخوضها هو مجرد وسائل لغايات أخرى، مما يجعل الولايات المتحدة أقرب إلى خيار التسويات والذي عبرت عنه بعد اليوم الأول من الحرب. فمن غير المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بتعبئة طاقاتها وإمكاناتها الهائلة من اجل حرب هدفها الحصول على بعض الميزات والوسائل، بالإمكان تحقيقها بمسارات غير قتالية.
إسرائيليا، اليمين الإسرائيلي يريد هذه الحرب، لتحقيق نصر عز إنجازه في غزه. فالتفوق الإسرائيلي المحمول أمريكياً، يسعى لتحقيق مكتسبات كبيرة، بعضها يتشكل بأوهام أسطورية يحملها الناخب الإسرائيلي للسيطرة على الإقليم، وبعضه تشكل بتجربة غزة، التي حرمت اليمين الإسرائيلي من تحقيق نصر حاسم، وبعضها الآخر محمول على حسابات موازين القوى مع إيران، وغواية ان تكون الولايات المتحدة طرف كامل مع إسرائيل في هذه الحرب. ولكن يقابلها جميعاً عجز إسرائيلي واضح عن حمل أوزار الحرب او التحكم بمساراتها، أو التحكم منفردة بنتائجها. مما يجعلها أقرب إلى قبول ما ستقبل به الولايات المتحدة. فلا توجد طاقات كامنة لدى إسرائيل يمكن تعبئتها في هذه الحرب سوى توريط الولايات المتحدة بها.
إيرانياً، إرادة الحرب تشكلت بثلاث عوامل: الذل والحرمان الناتج عن العزل والاقصاء على مدى عقود، ثم التقاء آلام الجراح ومهانة الخديعة خلال واقعتين (إحداهما متعلقة ببدء هذه الحرب) لا يمكن لأي كيان مهما بلغ من الضعف أن يسمح بتعرضه لهما مرة ثالثة، والعامل الثالث مكاسب كبرى تلوح في الأفق بسبب التردد الأمريكي والانكشاف الإستراتيجي لإسرائيل. لذلك تبدو إيران وقد اندفعت للحرب بكل قواها. وربما هي وحدها التي تبدو ان إرادة الحرب، والتي تشكلت رغماً عنها من حيث إنها تخوض (حرب ضرورة) بالمعنى السيكولوجي، هي الأكثر تأثراً بحسابات وطموحات الامجاد والغنائم. لهذا ستكون إيران قادرة على تعبئة كامل مواردها لخوض هذه الحرب، وهي ميزة تفتقر إليها الولايات المتحدة.
وبالتأكيد هناك عوامل ومتغيرات دخلت في حسابات صانع قرار الحرب وشكلت إرادته، قد لا تكون متاحة للمتابعين إلا بعد حين، ولكنها لن تختلف عن كونها عوامل لا يمكن لمن قرر الدخول في الحرب أن يتجاوزها. لذلك تقبل النظرة لإرادة الحرب من حيث هي ضرورة موضوعية تتشكل لضمان تدفق التاريخ الإنساني، وحماية الإنسانية من التعفن تحت ضغط أي تشكيل لها. فمأساوية الحرب متعلقة بضرورتها.
ثالثاً: خرائط الدم وحبر التسويات
أطراف الحرب وساحاتها:
في سياق تشكيل إرادة الحرب وفي الحصول على غنائمها، فإن الطرف الذي يجر للحرب دون إرادته، ويشارك بها دون أن تكون له إرادة بها، هو من رضي (قبل بدء القتال) أن يكون ساحة لها، ومن نجحت الإرادات المتقاتلة بجره ليكون مجرد ساحة للحرب، لا إرادة له فيها ولا خيار، ولا حتى قدرة على تشكيل رد فعل مستقل. فالساحات تدخل الحرب إليها، ولا تدخل هي للحرب بقرار أو بإرادة، وبالتالي تتحمل كلفة الحرب من حيث هي مجرد ضرر جانبي، دون أن يكون لها نصيب في الأمجاد والغنائم.
وحين تجر بلد مثل الأردن لتصبح ساحة لحرب لا ناقة للشعب الأردني فيها ولا جمل، فإن الأردن ليست أكثر من ساحة قتال. ويجب اسقاط العصابة الحاكمة المتمثلة بالمستبد الفاسد وعائلته العميلة، الذين جروا الأردن ليصبح ساحة قتال، مفرغة من إرادة شعبها ومن حسابات مصالحهم. ببساطة قام الحكم العميل بتأجير الأردن للإسرائيليين، وهو وحده مع عائلته يقبضون الثمن بحمايتهم من قبل أمريكا وإسرائيل، وإطلاق يدهم لنهب كل ما يمكنهم نهبة من ثروات الشعب الأردني، في حين يدفع الشعب الأردني وجيشه كلفة هذه الحرب مضاعفة: من حيث أنهم اولاً مجرد ضرر جانبي تهدر دمائهم في هذه الحرب، وثانياً تحويل موارد الشعب والجيش إلى مجرد مكافئة للمستبد الفاسد وعائلته على خيانتهم وعمالتهم.
كلمة أخيرة،
لقد نظر الوعي الإنساني للحرب عبر التاريخ باعتبارها قدر كريه يتحمله كل أطرافها، بغض النظر عن الجهة التي يقفون عليها من جبهة الاشتباك، ولكن أمجادها وغنائمها تكون حصراً للأطراف التي دخلتها بإرادتها. فكل حرب تنتهي بتسويات، ومن كان مجرد ساحة لن يحضر على طاولة التسويات إلا من حيث هو غنيمة لأطراف الصراع. إن أمجاد الحرب وغنائمها هي مكسب حصري فقط لمن خاضها بملء إرادته، وتحمل آلامها وجراحها، ومن قبل أن يكون ساحة سيبقى مداساً لأقدام المقاتلين، ولن يصوغ خطوط مداد التسويات.
2026-03-05