حرب البقاء: الشرق الأوسط على حافة اختبار الإرادات!
مهيب صدوق
ليست كل الحروب نتيجة قرارٍ بارد يُتخذ في غرفة عمليات، ولا كل الصراعات تبدأ بإعلان رسمي. أحيانًا تنشأ الحروب من شعورٍ عميق يتسلل إلى مراكز القرار: شعور بأن ميزان القوة يتحرك، وأن الزمن لم يعد حليفًا، وأن التراجع اليوم قد يعني السقوط غدًا. في التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، نحن أمام لحظة من هذا النوع؛ لحظة يختلط فيها الخوف البنيوي بمنطق الردع، ويتحوّل فيها النزاع من خلاف سياسي إلى سؤال وجود.
لفهم ما يجري، لا يكفي تتبع التصريحات أو قراءة البيانات العسكرية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق ببنية النظام الدولي نفسه، وبالطريقة التي تتحرك بها الدول حين تشعر أن مكانتها أو بقاءها مهددان.
يرى عدد من منظّري العلاقات الدولية أن أخطر لحظات التاريخ هي تلك التي يتغير فيها ميزان القوة بسرعة. المشكلة لا تكمن فقط في النوايا، بل في التحولات الموضوعية التي تولّد خوفًا متبادلًا. في الحالة الشرق أوسطية، عززت إيران خلال العقدين الأخيرين موقعها الإقليمي عبر برنامج نووي متقدم ومنظومة صاروخية دقيقة وشبكة نفوذ واسعة. من منظور طهران، هذا تحصين ضروري. ومن منظور خصومها، هو تغيير لقواعد اللعبة.
النظام الدولي بطبيعته يفتقر إلى سلطة عليا تضمن أمن الجميع، ولذلك تميل الدول إلى تعظيم قوتها بوصفه الخيار الأكثر أمانًا. الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل صعود قوة إقليمية قادرة على تهديد حلفائها، وإيران ترى في تطوير قدراتها الردعية ضمانة لبقائها في بيئة تعتبرها عدائية.
لكن الأخطر من سباق القوة هو سوء الفهم. فالإجراءات الدفاعية قد تُفسَّر هجوميًا، والعقوبات قد تُقرأ كمحاولة خنق، والتحركات العسكرية قد تُفهم كتمهيد لضربة كبرى. هنا تتحول الحسابات العقلانية إلى دائرة مغلقة من الشك المتبادل.
المشهد يتعقد أكثر عندما يتجاوز النقاش مسألة “تغيير السلوك” إلى احتمال تغيير النظام نفسه. تحركات سياسية في الخارج، وضغوط اقتصادية في الداخل، وتظاهرات ذات طابع ليبرالي، كلها عناصر توحي بأن الصراع قد يتحول إلى صراع على هوية الدولة ومستقبلها.
في هذه اللحظة، يصبح الصراع وجوديًا. الدولة التي تشعر بأن وحدتها الجغرافية أو نظامها السياسي مهددان لا تحسب الردود بمعايير الكلفة التقليدية فقط، بل بمنطق البقاء. قد تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا هائلًا في بداية أي مواجهة، لكن الحروب لا تُحسم دائمًا بالضربة الأولى. القدرة على امتصاص الصدمة الأولى والحفاظ على تماسك القيادة والسيطرة قد تكون العامل الحاسم.
إضافة إلى ذلك، يشكل الاقتصاد العالمي ساحة مواجهة غير مباشرة. العالم يعاني من تضخم واختلالات حادة في أسواق الطاقة. أي اضطراب في الممرات البحرية أو منشآت الطاقة قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة. في عالم شديد الحساسية لأسعار النفط والغاز، تتحول الجغرافيا إلى أداة ردع استراتيجية.
هكذا تتشابك العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية في لحظة واحدة. الجميع يخشى الانفلات، لكن الجميع أيضًا يستعد للأسوأ. وبين الخوف من السقوط والخوف من التراجع، يقف الشرق الأوسط على حافة اختبار إرادات مفتوح.
“حرب البقاء” ليست شعارًا بل توصيف لحالة ذهنية. حين تشعر دولة أن المعركة تتعلق بوجودها، تتغير الحسابات. وحين تشعر قوة كبرى أن نفوذها يتآكل، تتغير الحسابات أيضًا. وبين هذين الإحساسين يتحدد مصير المنطقة — وربما أبعد من ذلك.
2026-03-01