الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الخامس)!
غانية ملحيس
ملخّص تنفيذيّ
ينطلق هذا المقال البحثي في أجزائه الخمسة من فرضية مركزية مفادها أن الإبادة في صيغتها المعاصرة لم تعد حدثا استثنائيا يقع خارج النظام الدولي، أو يشكّل فشلا أخلاقيا له. بل أصبحت بنية حكم داخلية، تعمل من خلال أدوات القانون، والإنسانية، والإدارة، والتقنية. فالإبادة الحديثة لا تُمارَس رغم النظام العالمي، بل بفضله. ولا تظهر بوصفها لحظة انفجار أخلاقي، بل بوصفها آلية انتظام قصوى، حين يعجز النظام عن احتواء تناقضاته البنيوية.
يجادل المقال البحثي أن الشرط الصامت للإبادة الحديثة هو نزع السياسة: أي تفريغ الفضاء العام من الصراع، وتحويل الحكم من مجال للمساءلة والتنافس السياسي إلى مسألة إدارة تقنية للضرورة، والاستقرار، والمخاطر. في هذا السياق، لا يُعلَّق القانون بوصفه خللا طارئا، بل يُعاد توظيفه كأداة لتنظيم العنف، بينما تُستدعى اللغة الإنسانية لتجريد هذا العنف من دلالته السياسية، وتحويله إلى “أزمة” أو “وضع إنساني” قابل للإدارة.
يُظهر الجزء الأول من العمل كيف أدت الحداثة السياسية، عبر منطق التصنيف والتراتب والسيادة، إلى إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائنا قابلا للإدارة لا ذاتا سياسية، ما يجعل الموت مسألة تنظيمية لا مأساة أخلاقية. ويُبيّن أن الإبادة لا تحتاج بالضرورة إلى خطاب كراهية فجّ، بل يمكن أن تُمارَس في ذروة انتظام القانون والخطاب الأخلاقي.
يركّز الجزء الثاني على نزع السياسة بوصفه الشرط البنيوي السابق للعنف، لا نتيجته. فحين تتحول الديمقراطية إلى كفاءة إدارية، والسيادة إلى إدارة مخاطر، تُغلق إمكانيات المحاسبة، ويُفتح المجال أمام عنف مُدار طويل الأمد، لا يُسأل فيه عن الفاعل بقدر ما يُسأل عن كيفية احتواء النتائج.
أما الجزء الثالث، فيحلل دور اللغة بوصفها مسرح الإبادة الحديثة. فاللغة الإنسانية لا تصف العنف، بل تعيد إنتاجه عبر فصله عن جذوره السياسية والاستعمارية. وحين يُعترف بالمعاناة دون الاعتراف بالفاعل، تتحول الإنسانية من قيمة أخلاقية إلى قناع يشرعن استمرار العنف.
في الجزء الرابع، لا تُقدَّم فلسطين بوصفها “حالة خاصة” أو “مثالا توضيحيا”، بل بوصفها لحظة انكشاف. ففي فلسطين، وخصوصا في غزة، تتكثف عناصر الإبادة الحديثة بأقصى درجات الوضوح: نزع السياسة، تعليق القانون، إدارة العنف، وتكثيف الخطاب الإنساني. ما تكشفه فلسطين ليس فشل النظام الدولي في الحماية، بل نجاحه في إدارة الإبادة دون أن ينهار أخلاقيا في خطابه عن ذاته.
ينتقل العمل في الجزء الخامس والأخير إلى تحليل ما يُسمّى “ما بعد الإبادة”، ليبيّن أن هذه المرحلة لا تمثل نهاية العنف، بل انتقاله إلى طور أكثر انتظاما، تُدار فيه الحياة والموت عبر الوصاية، الإنسانية المعولمة، منصات النخب العابرة للدولة، والفضاءات شبه المستقلة. فالوصاية لا تُطرح كحل مؤقت، بل كصيغة حكم مستقرة: سيادة بلا تمثيل، وسلطة بلا مساءلة.
يظهر البحث كيف تحولت الإنسانية المعولمة من خطاب أخلاقي إلى تقنية حكم، تُدار عبرها الأزمات بدل حلها، وتُخفف عبرها الفضيحة بدل مساءلة البنية. وتُقارن بين الحالة الفلسطينية وتجارب عالمية أخرى، مثل إدارة جائحة كورونا، للكشف عن منطق واحد يُعاد إنتاجه عالميًا: استخدام الخوف الوجودي، التحكم الديموغرافي، وإعادة تركيز الثروة، تحت غطاء الضرورة الإنسانية.
كما يعود إلى الجذور الفكرية لهذا المنطق، من مالتوس إلى وثيقة كيسنجر (NSSM 200)، ومن اللجنة الثلاثية إلى دافوس، ليبين كيف أُعيد تعريف العالم بوصفه سوقا، والسكان بوصفهم فائضا أو خطرا، والسياسة بوصفها عائقا أمام الإدارة الفعالة. وفي هذا السياق، تُحلَّل إسرائيل لا بوصفها استثناء أخلاقيا، بل كأداة بنيوية ضمن نظام الوصاية، فيما تُقرأ ظاهرة إبستين كنموذج مواز لفضاءات شبه مستقلة تُدار فيها السلطة والعنف خارج المساءلة التقليدية.
يخلص البحث إلى أن الوصاية أصبحت الاسم الجديد للنظام العالمي، وأن “ما بعد الإبادة” هو في الواقع مرحلة حكم كاملة تُدار فيها الحقوق، والمعاناة، والسيادة، ضمن منطق تقني إداري يفصل الإنسانية عن السياسة. ومن هنا، لا يطرح حلولًا تقنية، بل يفتح على السؤال الجوهري الذي لا يمكن تأجيله: كيف يمكن استعادة السياسة في عالم صُمّم لإدارتها؟
بهذا المعنى، لا تُطرح فلسطين كقضية إنسانية فحسب، بل كمحكّ أخلاقي وسياسي كوني. فإما عالم تُدار فيه الحياة باسم الإنسانية، أو سياسة تُستعاد بوصفها شرط الوجود الإنساني نفسه.
المقال الكامل
الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الخامس)
الوصاية والإنسانية المعولمة: ما بعد الإبادة بوصفه نظام حكم
أظهرت الأجزاء السابقة، أن الإبادة الحديثة ليست مجرد حدث استثنائي، بل بنية نظامية: نزع السياسة هو شرطها الصامت، تعليق القانون هو آليتها القانونية، اللغة الإنسانية هي غطاء أخلاقي لإدامة العنف
في فلسطين، وتجربة غزة بالتحديد، يتجسّد هذا النموذج بأقصى وضوح: القتل اليومي، الحصار، التجويع، والتدمير لا يُمارَس فحسب كأفعال لحظية، بل ضمن دورة مُدارة زمنيا وأخلاقيا، حيث يصبح الموت مؤسسيا وقانونيا وإنسانيا في آن واحد. (150)
ينطلق الجزء الخامس من هذه النقطة ليبيّن أن ما يلي الإبادة ليس السلام، ولا نهاية القتل، بل انتقاله إلى أشكال أكثر انتظاما، تقنية، وسياسية، تصبح فيه الإنسانية آلية حكم، والسياسة مؤجلة، والقرار مركزيا بعيدا عن المساءلة (151). وبدء مرحلة إدارة كاملة عبر الوصاية: الإنسانية المعولمة، النخب النيوليبرالية العابرة للدولة، كمنتديات الاقتصاد ومجالس السلام والفضاءات الخاصة، لا بوصفها قطيعة مع الإبادة، بل بوصفها آليات لإعادة استقرار النظام بعد انكشافه (152).
إذا كانت الإبادة الحديثة قد كشفت عن آليات الحكم في لحظة العنف القصوى، فإن ما يليها يكشف عن الشكل الذي يستقر فيه هذا الحكم بعد انكشافه.
أولا: من السيادة إلى الوصاية: إعادة تعريف الحكم
في الخطاب الرسمي، تُقدّم الوصاية كحل مؤقت لعجز الدول أو لانهيارها، وتسوق بوصفها حماية للسكان من الفوضى والعنف (153). غير أن هذا الخطاب يُخفي حقيقة بنيوية: الوصاية ليست نقيض السيادة، بل تحويرها (154): سيادة بلا تمثيل، سلطة بلا مساءلة، إدارة الموارد والحياة والموت بعيدا عن أي رقابة فعلية.
بهذا المعنى، الوصاية لا تعالج آثار الإبادة، بل تعيد تنظيمها ضمن نموذج حكم يتجاوز السياسة التقليدية كما عرفناها، ويحوّل حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى إدارة الضرورة. ويعترف فقط بالحاجة، والخطر، والاستقرار (155).
إنها، باختصار، سياسة معلقة: يُدار السكان، الصراع، والمعاناة ضمن فضاءات شبه مستقلة، حيث تتحكم النخب النيوليبرالية المعولمة بالقوة والثروة والنفوذ في القرار، وفي الخطاب الإنساني، دون مواجهة فعلية للواقع السياسي.
غير أن الوصاية، لكي تُمارَس بوصفها نظام حكم مستقر، تحتاج إلى لغة أخلاقية تُعيد تقديم السيطرة بوصفها ضرورة إنسانية، لا قرارا سياسيا.
ثانيا: الإنسانية المعولمة: من الأخلاق إلى التقنية
الإنسانية، في صيغتها المعاصرة، لم تعد خطابا أخلاقيا يسائل العنف، بل تقنية للحكم (156). فهي تتدخل حين يخرج العنف عن السيطرة، لا حين يُنتج بنيويا، تهتم بتخفيف الفضيحة الإعلامية بدل المساءلة. تركّز على النتائج وليس الأسباب، تعترف بالمعاناة بدل الاعتراف بالفاعل السياسي (157).
هذا التحول يجعل من الإنسانية شريكا بنيويا في نظام ما بعد الإبادة (158) فهي لا تسأل لماذا يحدث القتل؟ بل كيف نُقلّل آثاره؟ ولا تسأل من المسؤول؟ بل كيف نُدير الأزمة؟ (159)
في فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، الإنسانية تعمل على إعادة إنتاج الحقبة بعد الإبادة: تحسين شروط الحياة تحت الاستعمار العنصري الإحلالي بما يمنع الانفجار والخروج عن السيطرة، تعيش لتأكل ما يلزم للبقاء، توفير المساعدات المقننة، الإعمار المشروط، وكل ذلك دون المساس بجذور الإبادة نفسها.
غير أن ما يظهر في فلسطين بوصفه حالة قصوى، لا يقتصر عليها، بل يكشف منطقا قابلا للتعميم في أزمات عالمية أخرى.
هذه التقنية ليست محلية فحسب، بل عالمية. كما أظهرت جائحة كورونا، حيث استُخدمت إدارة الوباء لتقليل الخطر الديموغرافي الذي أشارت إليه وثيقة كيسنجر عام 1974 ( 160). ووظفت الجائحة لإعادة ترتيب العلاقات بين الدول وداخلها، وإعادة تركيز الثروات بشكل لم يشهد له التاريخ الإنساني المدون مثيلا. تدلل عليه الإحصاءات التي تضمنها تقرير أوكسفام الصادر في 16/1/2026 ( 161)، وأظهرت أن 12 فردا فقط من أثرى أثرياء العالم (جلهم من الولايات المتحدة الأمريكية. تظهر قائمة فوربس أن 9 من بين العشرة الأكثر ثراء في العالم أمريكيون (162)، تقدموا الصفوف في حفل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعاد انتخابه بشرعية دستورية وشعبية في العشرين من كانون الثاني / يناير 2025)، جعله يعتقد أنها تؤهله لرئاسة العالم، تفوق ثرواتهم ما يملكه نحو نصف سكان الكوكب (4 مليارات إنسان). كما أظهرت البيانات أن أغنى 1% من سكان العالم حصلوا على ما يقرب من ثلثي كل الثروة الجديدة البالغة قيمتها 42 تريليون دولار، التي تم خلقها منذ 2020 – وهو العام الذي تفشى فيه وباء كورونا- (163). فإلى جانب توظيفه كآلية لتقليص الخطر الديموغرافي وفق حسابات العرق الأبيض الذي تأسست حضارة الحداثة المادية العنصرية باعتباره الأعلى تراتبية على سائر البشر، تم استخدامه كذريعة لتغيير القوانين المحلية والدولية، والقضاء على المكتسبات المهمة التي حصلت عليه الطبقة العاملة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولاختبار مدى فاعلية الخوف الوجودي كآلية للتحكم بالسكان ودفعهم للامتثال.
لفهم هذا التحول من الأخلاق إلى الإدارة، لا بد من العودة إلى البنية الفكرية التي شكّلت تصورات الغرب عن السكان، الخطر، والموارد.
ثالثا: من مالتوس وكيسنجر إلى اللجنة الثلاثية وبرنارد لويس إلى دافوس وإدارة العالم
المرتكزات الفكرية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي الذي يهيمن على النظام الدولي في عصر الأحادية القطبية، ما تزال تسترشد بنظرية مالتوس للسكان (164) المضمنة في كتابه “مبادئ السكان” الصادر عام 1798. وترى أن حل معضلة اختلال التوازن بين نمو السكان، الذين يتزايدون بمتوالية هندسية، وبين نمو الموارد الغذائية، التي تتزايد بمتوالية عددية، يكمن في الحد من الزيادة السكانية. تشير النظرية إلى وسيلتين أسمتهما “موانع”، يمكنهما أن تؤدي إلى ضبط الزيادة السكانية في العالم:
1. الموانع القهرية، مثل المجاعات والأمراض والحروب.
2. الموانع الإرادية أو الوقائية، مثل العزوف عن الزواج أو تأخيره، تحديد النسل، الإجهاض، وغيرها.
وترى القوى الغربية المتنفذة المهيمنة عالميا أن الموانع الإرادية أو الوقائية قد نجحت نجاحا كبيرا بالحد من الزيادة السكانية في المراكز الرأسمالية الغربية المتقدمة، فيما فشلت فشلا ذريعا في الدول غير الغربية المسماة بالنامية لأسباب عدة، الأمر الذي اعتُبر تهديدا خطيرا لقيادتها العالمية. ما دفعها لتفعيل الموانع القهرية كجزء رئيس من سياساتها واستراتيجياتها العالمية.
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتربع على عرش القيادة العالمية، أن الزيادة السكانية خارج حدود أمريكا وأوروبا قضية أمن قومي. وقد ورد ذلك صراحة في وثيقة أمريكية مهمة صدرت في كانون الأول/ ديسمبر عام 1974، تحمل الرقم 200 بعنوان: “مذكرة دراسات الأمن القومي: آثار النمو السكاني في جميع أنحاء العالم على أمن الولايات المتحدة ومصالحها ما وراء البحار”،
(165) والتي أشرف على إعدادها الدكتور هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 1968، قبل أن يصبح وزيرا للخارجية عام 1973.
أشارت الوثيقة، التي رُفعت عنها السرية عام 1989، إلى أن النظر إلى التنمية الاقتصادية كسبيل لحل مشكلة التزايد السكاني ينطوي على تهديد للأمن القومي الأمريكي خصوصا، والأوروبي عموما، بسبب التراجع المتسارع في الأهمية النسبية للغرب الأمريكي والأوروبي إلى إجمالي سكان العالم. ونص البند 37 من الوثيقة على أن “الوضع السكاني“بالفعل أكثر خطورة وأقل قابلية للحل عبر تدابير طوعية مما هو مقبول عموما، ونرى أنه للحيلولة دون حدوث نقص أكبر في الغذاء، وغيره من الكوارث الديموغرافية مما هو متوقع بشكل عام، يلزم اتخاذ تدابير أقوى، ويتعين معالجة بعض القضايا الأخلاقية الصعبة للغاية”(166)، وأكدت الوثيقة مرارا على “وجود ضرورة لتطوير البحث العلمي في هذا المجال”. ما يوضح الربط المبكر بين الأمن القومي، البحث العلمي، والتحكم بالسكان، كأداة استراتيجية.
أول الأمثلة المعروفة لهذا المنطق هي اللجنة الثلاثية التي أنشأها ديفيد روكفلر وبريجنسكي عام 1973/1974، كمنتدى لقادة السياسة والأعمال من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان، وأصدرت تقريرا عام 1975 حول “أزمة الديموقراطية” (167)،
سبق الإشارة له في الجزء الثاني من البحث، وأسس نظريا لإدارة دول وشعوب بالكامل من أعلى، عبر آليات مالية وأمنية وسياسية، بهدف تثبيت الهيمنة الغربية، ونزع السياسة المحلية عن القرار.
هذه التصورات لم تبقَ في مستوى النظرية أو التخطيط العام، بل وجدت تطبيقها الأوضح في مناطق اعتُبرت تاريخيا فائضة عن النظام الغربي.
رابعا: برنارد لويس واستكمال إعادة هندسة المنطقة العربية – الاسلامية
إذا كانت هذه التصورات قد صيغت بوصفها سياسات عالمية، فإن تطبيقها الإقليمي الأوضح تبلور في الشرق الأوسط. في العام 1980 أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، صرح” بريجنسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والمؤسس المشارك لللجنة الثلاثية، المشار إليها أعلاه، بقوله: إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن. هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب الخليجية الاولي بين العراق وإيران، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس- بيكو، بتفكيك الدول العربية والإسلامية إلى دويلات عرقية وإثنية ودينية وطائفية ومذهبية، تتمحور حول الكيان الصهيوني، باعتباره الخط الأمامي للحضارة الغربية. وفي أعقاب هذا التصريح كلفت وزارة الدفاع الأميركية/ البنتاجون/، خبير التخطيط الاستراتيجي في الشرق الأوسط برنارد لويس، بوضع مخطط التقسيم، وعرض خلاصة مشروعه مرفقا بالخرائط التفصيلية في جلسة سرية للكونغرس الأمريكي عام 1983، تمت الموافقة عليه بالإجماع، وبات منذ اعتماده، الإطار المرجعي الملزم للإدارات الأمريكية كافة، الجمهورية والديموقراطية، والموجه لعموم السياسة الغربية في المنطقة. ويقضي بالعمل على تقسيم كل من مصر والسودان وسوريا الى أربعة دول. ولبنان إلى خمس كانتونات. والعراق إلى ثلاث دول. ودمج دول الخليج واليمن بالجزيرة العربية وتقسيمها إلى ثلاث دول على أساس مذهبي، وتفكيك ليبيا والجزائر والمغرب لإنشاء كيانات جديدة على أساس عرقي، وتقسيم إيران وباكستان وافغانستان الى عشر كيانات عرقية، واقتطاع جزء من تركيا لضمه لدولة كردية تقام على أراض في العراق وسوريا وإيران وبعض الاراضي السوفيتية سابقا، وتقسيم شرق الأردن إلى دولتين إحداهما وطن بديل للفلسطينيين.
وفي مقابلة لاحقة أجرتها وكالة الإعلام مع برنارد لويس في 20/5/2005 قال: «إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية. وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان. إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال لديهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا… ولا مانع من أن تكون مهمتنا المعلنة هي: تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، ويجب أن تقوم أمريكا بالضغط على قياداتهم الإسلامية (دون مجاملة ولا لين ولا هوادة) ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة. ولذلك، يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا وتدمر الحضارة فيهما» (168).
لم يكن هذا المنطق استثناء مرتبطا بلحظة الحرب الباردة، بل شكّل الأساس الذي تطورت عليه لاحقا أشكال أكثر تعقيدا ومرونة لإدارة العالم، بلغ أحد تعبيراته المعاصرة في منصات النخب العابرة للدولة.
خامسا: دافوس ومنصّات النخب: إدارة العالم بلا سياسة كسوق
ومع أفول منطق التقسيم الصريح، لم تختف إدارة العالم، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تجريدا وأقل خضوعا للمساءلة.
للمزيد ..اضعط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/91315
8/2/2026