النوستالجيا القاتلة: حين يتحوّل الماضي إلى عذر للفشل في منافي اللجوء!
بقلم البروفيسور وليد الحيالي
في المنافي الأوروبية، حيث تتقاطع طرق اللجوء مع امتحانات الاندماج القاسي، تتكشف ظاهرة مقلقة لا يمكن تجاهلها، بل تكاد تكون سمةً مشتركة لدى شريحة غير قليلة من اللاجئين العرب: الارتهان المرضي إلى الماضي، والتغنّي بأمجادٍ شخصية أو وطنية، تحوّلت مع الزمن من رصيدٍ معرفي وتجريبي كان يمكن البناء عليه، إلى عبءٍ نفسي ومعرفي يُشلّ الإرادة ويبرّر العجز.
ليس استحضار الماضي بحد ذاته خطيئة؛ فالأمم والأفراد بلا ذاكرة كائنات مبتورة الجذور. لكن الإشكال يبدأ حين يتحوّل الماضي إلى بديل عن الفعل، وإلى ملاذٍ نفسي للهروب من استحقاقات الحاضر، وحين يُستَخدم بوصفه حجة لتفسير الفشل لا بوصفه خبرة لتجاوزِه.
المنفى: اختبار لا ملجأ
المنفى ليس استراحة محارب، بل هو امتحان قاسٍ لإعادة تعريف الذات. كثيرون ظنّوا أن اللجوء سيمنحهم تلقائيًا مكانةً اجتماعية، أو اعترافًا معنويًا، أو تعويضًا رمزيًا عن خساراتهم السابقة. وحين اكتشفوا أن أوروبا لا تعترف إلا بالكفاءة الفعلية، والانضباط، والعمل، والتعلّم المستمر، أصيبوا بخيبة مزدوجة: خيبة الوطن، وخيبة المنفى.
في هذا السياق، برز نمط سلوكي مألوف:
الجلوس الطويل في البيوت، أو المقاهي، أو المساجد، أو الحسينيات، حيث تُعاد رواية القصص ذاتها، وتُستحضر الأسماء والمراتب والشهادات والمواقف النضالية، دون أن يرافق ذلك أي جهد حقيقي لتعلّم اللغة، أو فهم بنية المجتمع الجديد، أو الانخراط في سوق العمل، أو حتى إعادة تأهيل الذات معرفيًا ومهنيًا.
من النقد إلى الحسد: سقوط أخلاقي صامت
الأخطر من الركون إلى الماضي، هو النيل من الآخرين الذين نجحوا. فبدل أن تكون قصص النجاح في المنفى مصدر إلهام، تحوّلت لدى البعض إلى مادة للتشكيك، والتقليل، والطعن في النوايا:
ـ “باع نفسه”
ـ “تخلّى عن مبادئه”
ـ “انسجم مع الغرب”
وكأن النجاح جريمة، وكأن التكيّف خيانة، وكأن التعلّم المتواصل خضوع.
هذا الخطاب ليس سوى آلية دفاع نفسي، يُسقِط فيها الفاشل عجزه على الآخر الناجح، ليتفادى مواجهة السؤال المؤلم: لماذا تقدّم هو، وبقيتُ أنا في مكاني؟
نقطة الصفر: مفهوم مغلوط
كثيرون يرفضون “الانطلاق من نقطة الصفر”، معتبرين ذلك إهانة لتاريخهم. وهذا فهم قاصر.
الانطلاق من نقطة الصفر لا يعني محو الخبرة السابقة، بل إعادة توظيفها في سياق جديد.
الطبيب، أو الأستاذ، أو المهندس، أو المثقف، الذي لا يقبل بتحديث أدواته، وتعلّم لغة البلد، ومعادلة شهاداته، أو حتى تغيير مساره المهني مؤقتًا، إنما يختار طوعًا الهامش.
أوروبا لا تهين أحدًا، لكنها لا تُجامل. تعطيك الفرصة، لكنها لا تمنحك النتائج مجانًا.
اللاجئ بين الضحية والمسؤولية
لا شك أن اللجوء محنة، وأن كثيرين تعرّضوا لظلم سياسي، أو قمع، أو إقصاء، أو تدمير ممنهج لحياتهم. لكن التحوّل الدائم إلى دور الضحية يقتل القدرة على الفعل.
اللاجئ الذي لا يتحوّل من “ضحية” إلى “فاعل” خلال سنوات، يتحمّل جزءًا من مسؤوليته، مهما كانت قسوة الظروف.
لقد رأيتُ ـ من واقع التجربة لا التنظير ـ نماذج لرجال ونساء بدأوا من الصفر فعلًا، عملوا في مهن متواضعة، درسوا اللغة بجدّ، أعادوا بناء ذواتهم، ونجحوا، دون أن يتخلّوا عن قيمهم أو ذاكرتهم أو قناعاتهم. هؤلاء لم يلعنوا الظلام، بل أشعلوا شمعة، ثم أخرى.
الخلاصة: الماضي وسيلة لا غاية
الماضي إن لم يتحوّل إلى طاقة دفع، يصبح قيدًا.
والمنفى إن لم يتحوّل إلى فرصة لإعادة اكتشاف الذات، يصبح سجنًا مفتوحًا.
إن أخطر ما يواجه اللاجئ العربي في أوروبا ليس العنصرية، ولا البيروقراطية، ولا صعوبة اللغة فحسب، بل الاستسلام الداخلي، ورفض التكيّف، وتقديس الذات القديمة، واحتقار الواقع الجديد.
النجاح في المنفى لا يحتاج معجزة، بل شجاعة:
شجاعة الاعتراف بأن العالم تغيّر، وأن علينا أن نتغيّر معه، لا أن نطالبه بأن يتكيّف مع أوهامنا.
2026-01-19