ملاحظات على القرارات المالية الأخيرة!
اضحوي جفال محمد*
أول ما يلفت النظر في هذه القرارات أن الذي يتولاها حكومة فاقدة للصلاحيات ستسلم حقائبها لحكومة جديدة بعد أيام. وهذا يخالف السياق البديهي للعمل الحكومي. فكل حكومة تعلن عن برنامج عمل قبل التصويت عليها، وتنال الثقة على اساس هذا البرنامج، ثم تؤدي القسم وتجتمع لتضع خططاً منسجمة مع البرنامج. أما ان تكمل دورتها ثم تجتمع في الوقت الضائع كي تخطط للحكومة التي تخلفها فمسألة فيها من العبثية بقدر ما فيها من الاستخفاف. إذ أن الحكومة القادمة غير ملزمة بكل ذلك مما يحيله إلى عدم.
القصد برأيي تبديد للمسؤولية، لا يختلف عن إرسال ملثمين لإنجاز مهمة سيئة. فالحكومة ذاتها وضعت عام 2023 ميزانية لثلاث سنوات، يفترض أن مدتها انتهت الان، وعلى الحكومة القادمة وضع ميزانية جديدة، فما الحكمة من استباقها بحزمة قرارات إن لم يكن ذلك محاولة لتغطية فشل السابقة المعبر عنه بعجز صارخ في الموازنة يهدد الرواتب بالانقطاع او التأخير المزمن.
سبب العجز ببساطة أن الاموال التي تنزل من خزينة الدولة إلى الناس اكثر من الاموال التي تجبيها الدولة من الناس. مهمة وزارة المالية الاساسية أن توازن بين الصاعد والنازل من الاموال بالأساليب المعروفة في تحريك دورة المال.
الاكيد بالنسبة لي أن اللجنة المعنية بخفض الإنفاق الحكومي تخلو من الكوادر الضليعة بالاقتصاد والمالية، وإن وُجدت مثل هذه الكوادر فإنها محددة الصلاحية بترقيع عيوب الاقتصاد المستفحلة.
في السياسة تستطيع ان تتخذ قراراََ دون أن تربطه بجوانب أخرى. وتستطيع أن تصوغ القرار بعبارات غير محددة، حسب ما يقتضيه مزاج الجمهور، فلا ارقام في القرار. بينما تمثل الأرقام أهم عنصر في القرارات الاقتصادية.. وهناك حسابات ختامية لا تقبل اللبس. البيان السياسي يتعرض للتدقيق والاستفسارات من جانب صحفيين يتلقون اجوبة أشد إبهاماََ ويمضون، أما القرارات المالية فإن مُصدرها يتلقى الاستفسارات من جانب مرؤوسيه ليخرجوا أنفسهم من المسؤولية، فلا ينفقون فلساً قبل التأكد من ان إنفاقه لا يخالف القرار. لذلك فإن معالجة وضع اقتصادي فاشل لا بد أن تكون شمولية لكل البلاد وضمن مدة طويلة نسبياً تسمح بالتحولات المطلوبة.
العراق ثالث مصدّر للنفط في هذا العالم، وعاجز عن تأمين رواتب موظفيه، فماذا تقول مئة دولة نامية ليس لديها قطرة نفط واحدة!!!. كيف يعيش هذا العالم من حولنا ويتدبر اموره؟.
مشكلتنا ليست عابرة كي تعالج بخفض الإنفاق هنا او تجميده هناك، وانما هي بنيوية تحتاج انقلاباً شاملاً في عموم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتبعاََ لذلك السياسي. فالموظفون الرسميون التابعون للحكومة الاتحادية العراقية اكثر من الموظفين في الحكومة الاتحادية الأمريكية، لذلك تستنفد رواتبهم ثلاثة ارباع الموازنة. وقد افادت احصائيات دولية بأن معدل العمل اليومي للموظف العراقي 17 دقيقة في اليوم، وبإنتاجية تعادل 58 دولاراً في السنة. فهل يكون الحل بتسريح هؤلاء الملايين وقطع رواتبهم كي تحصل الموازنة على فائض بدل العجز؟. وأين يذهب هؤلاء الناس وكيف تعيش عوائلهم لو حُرموا من وظائفهم؟ من هنا قلنا ان الحل يجب ان يكون شمولياً بحيث تتوفر الوظائف في القطاع الخاص كتوفرها في القطاع العام.
التوظيف الصحيح هو أن يعمل الشخص مقابل راتب، إلا ان الذي يجري عندنا سير باتجاه واحد، تمويل بلا ناتج، بطالة مقنّعة. وهو ليس سراً من اسرار الكون او أحاجي، وانما عرفته في العصر الحديث دول وشعوب كثيرة وابتكرت له حلولاً نموذجية. أهم نموذج يحتذى في هذا المضمار سنغافورة. وأقرب نموذج لواقعنا زمنياً وجغرافياََ جورجيا. لكن فكرة الحل الجذري غير متوفرة حالياً داخل عقل النخبة السياسية عندنا. وعليه فإن الحكومة القادمة بعد اسابيع لن تلتزم بالإجراءات الترقيعية لسابقتها، وتتقدم الازمة من سيء إلى أسوأ، ومن مسكنات إلى مسكنات، حتى تبلغ او تقترب من الهاوية.
( اضحوي _ 2325 )
2026-01-19