مقاومة العجز والإعاقة!
بقلم: البرفيسور وليد الحيالي
حين يمتد المنفى من الجغرافيا إلى الجسد
لم يكن الجسد، في حياتي، كيانًا محايدًا. منذ شبابي المبكر، أدخلته السياسة في صراعات لم يخترها، وحمّلته أوزار القلق، والمطاردة، والخوف، والسفر القسري، والسهر الطويل، والانتظار المرير. كنتُ أظن أن المنفى ينتهي عند حدود الجغرافيا، وأن الخروج من الوطن يضع حدًا للنزف، لكنني اكتشفت متأخرًا أن المنفى الأشد قسوة هو ذاك الذي يستقر في الداخل، في الجسد نفسه.
عشتُ السياسة بوصفها قدرًا لا هواية، ودخلتُ معتركها وأنا مدفوع بإيمان مبكر بالعدالة والحرية. دفعتُ ثمن ذلك مطاردةً، وتهديدًا، وارتحالًا قسريًا بين المنافي. من بغداد إلى دمشق، ومن براغ إلى محطات أخرى، كنتُ أتنقل وكأن الأرض تضيق بي كلما حاولتُ أن أستقر. في كل محطة، كنتُ أترك جزءًا من روحي، وأحمّل جسدي فوق طاقته، دون أن أنتبه إلى أنه كان يسجّل كل شيء بصمت.
في المنفى، لا يمرض الجسد فجأة؛ إنه يتآكل ببطء. يحمل سنوات الخوف المكبوت، والتوتر الدائم، والقلق على المصير، والعمل المضني لإعادة بناء الحياة من الصفر. كنتُ أعيش بعقل يقاوم، لكن بجسد يُؤجِّل الانكسار إلى وقت لاحق، إلى اللحظة التي يظن فيها أن المعركة انتهت.
بعد أكثر من أربعة عقود من المنفى والصراع، جاء الألم من حيث لم أتوقعه: مفاصل الورك. لم يكن مجرد وجع عضلي، بل رسالة متأخرة من الجسد، تقول إن لكل صبرٍ حدودًا، وإن التاريخ، حين لا يُكتب على الورق، يُكتب في العظام.
بدأ الألم كإشارة خفيفة، ثم تحول إلى عبء يومي. عندها وجدتُ نفسي أمام معركة جديدة، لا تقل شراسة عن معارك السياسة، لكنها أكثر عزلة. في السياسة، كنتُ أقاوم ضمن جماعة، أما هنا، فقد كنتُ وحيدًا مع جسدي. كان الخيار واضحًا: إمّا أن أستسلم للعجز، أو أن أقاومه كما قاومت الاستبداد يومًا.
اخترتُ المقاومة، مرة أخرى.
بدأتُ رحلة العلاج والرياضة اليومية، كما كنتُ أبدأ أي عمل سياسي: بالالتزام، والانضباط، والإيمان بالنتيجة مهما طال الزمن. زرتُ مراكز العلاج الطبيعي، والعلاج الصيني، والتزمتُ بتوجيهات الأطباء. صار الجسد مشروعًا للتحرير، تمامًا كما كان الوطن حلمًا للتحرر.
لكن الجسد، مثل الأنظمة المستبدة، لا يسقط بسهولة. وحين وصلتُ إلى حدود الاحتمال، كان القرار الجراحي قاسيًا لكنه ضروريًا. عملية كبرى لتغيير مفصل الورك، وتغيير عظم الفخذ، استغرقت أربع ساعات، لكنها لخصت سنوات من الصراع الصامت. خرجتُ منها منتصرًا طبيًا، لكنني دخلتُ مرحلة أشد قسوة: مرحلة الألم ما بعد الجراحة.
شهران من الألم الذي لا تهدئه المسكنات، ولا يخففه إلا ما تبقى في داخلي من إرادة صقلتها السجون غير المرئية للمنفى. في تلك المرحلة، أدركتُ أن الإنسان لا يصمد وحده. وقفت إلى جانبي إنسانة نبيلة، س. ا.، كانت في تلك الأيام تجسيدًا لمعنى التضامن الإنساني، ذاك التضامن الذي حلمنا به سياسيًا، فوجدناه متحققًا في فعل شخصي بسيط: الرعاية.
بعد الجراحة، لم ينتهِ الصراع. دخلتُ مرحلة إعادة التأهيل، داخل البيت وخارجه، وكأنني أتعلم المشي كما يتعلم المنفي كتابة اسمه من جديد بلغة أخرى. وبعد ستة أشهر، جاء القرار بإرسالي إلى مركز متخصص للعلاج الرياضي في مالقا – إسبانيا. سافرتُ في 13/12/2025، كما سافرتُ كثيرًا من قبل، لكن هذه المرة كان المنفى مؤقتًا، علاجيًا، لا سياسيًا.
في مدينة أندلسية جميلة، تقع بين مدينتين، بدأتُ برنامجًا رياضيًا مكثفًا، تحت إشراف خبراء من الدنمارك والسويد وإسبانيا. كان العلاج صارمًا، يوميًا، طويل الساعات، لكنه كان يحمل معنى مختلفًا: لأول مرة، أقاتل لا من أجل فكرة، بل من أجل جسدي، بوصفه آخر مساحة سيادة أملكها.
هناك، تعلمتُ أن العجز ليس نهاية، بل مرحلة تفاوض مع الذات. تعلمتُ كيف أستخدم الأجهزة الرياضية، والكرات، والأشرطة المطاطية، وكيف أُعيد بناء العلاقة مع جسدي على أساس العلم لا العناد. أدركتُ أن مقاومة الإعاقة تشبه مقاومة الاستبداد: تحتاج إلى وعي، وصبر، وخطة، وحلفاء.
عدتُ إلى الدنمارك في 3/1/2026، محمّلًا بتجربة جديدة تُضاف إلى سجل المنافي. لم أعد بكامل القوة، لكنني عدتُ بكامل القناعة أن المنفى الحقيقي ليس الابتعاد عن الوطن، بل فقدان السيطرة على الذات. وأن الانتصار، مهما كان جزئيًا، هو فعل كرامة.
ما زال التخدير الجزئي حاضرًا، وما زال الطريق طويلًا، لكنني أعرف اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الجسد، مثل الوطن، يمكن أن يُنهك، لكنه لا يُهزم ما دامت الإرادة حية.
2026-01-12