ساعة يكتمل التشكل الوطن/ كوني العراقي(1)!
عبدالاميرالركابي*
فرض الاحتلال البريطاني على العراق فكرة ومخطط التشكل الوطني الاعتباطي الاكراهي من خارج الحقيقة التاريخيه المجتمعية، وبما يوجب نقض الموقف والتصرف المذكور باعتباره تجاوزا على مامعتبر من قبيل الحقائق المعتمدة في الغرب نفسه لهذه الجهة، فما اعتمد حينه وقرره الضابط الانكليزي الملحق بالحملة العسكرية البريطانيه على العراق جاء تجاوزا على مسالتين اساسيتين هما: واقع التشكلية العراقية الحديثة ان وجدت، وهو مااغفله لابل انكره تماما ويرلند واضع الشردية “الوطنيه العراقية الحديثة”، والحقيقة البنيوية الكيانيه الجاري التعامل معها، وطبيعتها كما هي قائمه، وكما وجدت على مر التاريخ المجتمعي في موضع هو الاطول تاريخا بين امم وشعوب المعمورة.
وعليه فلقد اقيم وقتها كسردية وواقع، عراق مضاد وتاف للعراق وكينونته، اعتبر بالقوة البرانيه هو العراق ” الحديث”، مقابل العراق الذي تعود بدايات عملية تشكله الحديث الى القرن الخامس عشر، وبالتحديد السادس عشر، مع قيام “اتحاد قبائل المنتفك” عام 1530 في ارض سومر التاريخيه، ومر بطورين، او قبلي ذروته الثورة الثلاثية التي قامت عام 1787 وحررت العراق الاسفل من بغداد الى الفاو، وطور ثان بدا من القرن الثامن عشر تمثل في الانتظارية النجفية، ونظام الاجتهاد والتقليد صيغة دولة اللادولة المعتادة في ارض اللاارضوية التاريخيه المتعدية للكيانيه الجغرافية، وصولا الى الثورة اللاارضوية الاولى غير الناطقة التي استقبلت قوات الاحتلال الصاعدة من الفاو نحو عاصمه الدورة التاريخيه العراقية الثانيه المنهارة، عام 1920.
لم يكن حضور الغرب المباشر وقتها الى ارض مابين النهرين حدثا عاديا، او يشبه ماعداه من حالات استعمار شائعه على مستوى المعمورة، فحصيله ونتائج الانقلاب الالي اوربيا قد دخلت من الفاو لتؤجج حال اصطام تاريخي مع اصل المجتمعية والبدئية الاولى، وموضع الغائية المجتمعية المضمرة غير المكشوف عنها، والتي يتعدى نوعها القدرة المتاحة للعقل على الاحاطة مجتمعيا، ماكان من شانه، وظل يخرج خاصيات المكان من الاعتبار لصالح الغالب السائد من منظورات بداهية متسيدة، مجتمعية ارضوية هي النتاج الطبيعي لمجتمعية الانتاجية اليدوية، ومنها الاوربيه الحالية برغم الادعاء الغالب عن الانتقال الى الاله قبل اوانه، حين كان مايزال في خطواته الاولى قبل التحقق الفعلي، وبالتحديد وبالاخص على مستوى الرؤية والمقصود.
وليس ماقد عمد الانكليز الى تكريسه واقعا ورؤية باقامه نوع “دوله” من خارج النصاب المجتمعي والتشكلية الذاتيه، الهدف منها تامين الحد الادني المتاح من المصالح البريطالنيه في بلاد كانوا على وشك الانسحاب منها (1) لولا فكرة “دولة من اهل البلاد” تكون واجهه لوجودهم، بما يحيل الى التطور اللاحق في اشكال الاستعمارمع الستينات، حين صار مفهوم وممارسة “الاستعمار الجديد” هو الغالب، وليس هذا مجرد حالة خاصة على صعيد ممارسة الهيمنه كما يمكن لمنظورات الارضوية الغالبه ان توحي في الحد الاقصى، مع الاستبعاد الكلي المعتاد للاحتمالية الفعليه المتعلقة بعملية الانتقال، من طور الانتاجية اليدوية الى ماعرف ب “الاليه”، وبالذات الطور الانتقالي الافتتاحي الاوربي منها.
ومع ان فكرة تحقق الانتقال الالي مع ظهور الالة في اوربا هو امر مفصول فيه، ومفروغ منه كحقيقة نهائية، الاان ذلك في الحقيقة وبحسب المنظور اللاارضوي للعملية التحولية المجتمعية، لم يكن سوى افتتاح وبداية انتقالية تظل خاضعة لاشتراطات وموضوعات اليدوية على مدى يقارب الثلاثة قرون من التاريخ، يعرف غلبة غربيه كاسحة من حقبتين، اولى او ربيه، وثانيه هي الحالية الامريكيه التي تتزعم فيها المجتمعية المفقسة خارج الرحم التاريخي، العملية التحولية مابعد اليدوية، بعد ان انتهى دور الغرب الاوربي كقيادة فعالة، وقد تجاوزته مقتضيات ومفاعيل اللحظة التي كان هو ساحة افتاحها، مع ان الولايات المتحدة لم تقبل هي الاخرى ان لاتمارس سياسة السحق والافناء النمطي الكيانوي، والازالة بالقوة ضد العراق، بعكس الوجهه الاوربيه الاولى، التي كانت معنيه باقامة واختلاق الامم، لامحوها.
وفي الحالتين والمرحلتين وفي نهايتهما تصبح اقرب للادراك مسالة الانتقال من الطور اليدوي المطلوب، وتحديدا الغاية التي تنطوي عليها، فالانتقال من اليدويه مهمة مابين نهرينيه عراقية، لن يتمكن الغرب لاالاوربي ولا وريثة الذي من غير نوعه كينونة، الاضطلاع بها، لانه ادنى من ذلك بنيه وكينونه، وهنا سيكون علينا مجبرين ان نتوقف كي نعلن الانقلاب العقلي الاكبر المغيب، والخارج الى اليوم عما متوفر للعقل بصيغته الابتدائية من قدرات على الاحاطة، وفي مقدمها وفي الاساس، قضية المجتمع الذي لم تبدا علاما ت تلمسحقيقته، الامع القرن التاسع عشر في اوربا، من دون فلاح ولاقدرة فعليه على ازالة القصورية العقلية ازاء الظاهرة المجتمعية وجوهرها، الازدواج ” اللاارضوي/ الارضوي”، فضلا عن الذهاب الملزم الى كشف النقاب عن موضع اللاارضوية الاصل والمبتدا، ومترتباتها على مستوى التحولية البشرية المجتمعية، لا فقط كما هو شائع ومقر اصلا عن كونه اصل الحضاره البشرية وبدايتها(2).
فالعراق وارض سومر هي قبلا موضع اللاارضوية، و بؤرة التحولية المجتمعية من اليدوية الى الانتاجيه مافوق الجسدية، والعملية التي تبدا في اوربا مع القرن السابع عشر، هي اصلا نتاج التحفيز الاقتصادي التجاري الريعي العراقي للمنطقة الازدواجية “الطبقية” الاوربيه ابان الدورة الرافدينيه الثانيه، العباسية القرمطية الانتظارية، بعد الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، التي كانت عجزت ابتداء عن الانتقال بذاتها الى التحقق اللاارضوي، بانتظار الوسيلة المادية الضرورية، والنطقية المؤجله.
وحين تبقى القصورية غالبة متحكمه، والالة بصيغتها الاولى المصنعية حاضرة بكل ماتولده من ثورة في الديناميات المسرعة للاليات المجتمعية، لايكون مستبعدا الانغماس في التوهميه الانتقالية الابتدائية، وهو ماقد حصل وقتها والى الساعه، فاذا توجه الغرب ممثلا ببريطانيا الامبراطورية التي لاتغيب عن ممالكها الشمس”آليا”، الى اصل الامبراطور يه وممثلها سرجون الاكدي “حاكم زوايا الدنيا الاربع”، او هارون الرشيد الذي يخاطب الغيوم قائلا ” امطري حيثما تشائين فانت في ارضي”، ابان الزمن اليدوي ومستوى دينامياته، فانه لن يتوقف لقصوريته وجهالته، امام الاحتمالية الاعظم التي لااستقامه للكينونه المجتمعية البشرية تاريخيا وبالاخص راهنا ومستقبلا من دونها.
الانقلاب الالي عراقي لاارضوي، لن يكتمل ويصل مبتغاه، والحقيقة التي ينطوي عليها على مستوى المعمورة والكينونه المجتمعية البشرية، الا مع حضوره المؤجل الاعظم، ووقتها ينتهي الزمن الارضوي العارض الموقت نفسه، وتبدا مسيرة اللاارضوية العقلية غرض وحقيقة وجوه الانقلابيه مابعد اليدوية، والوجود المجتمعي الاصل.
يتبع
2026-01-01