“البراغماتية الحذرة” سورية الجديدة وفق المنظور الأمريكي!
أمجد إسماعيل الآغا*
شكلت تصريحات الإدارة الأمريكية تُجاه السلطة الانتقالية في دمشق ميداناً خصباً للتأويلات السياسية، لكنها في العمق هي تصريحات لا تعدو عن كونها مجرد تعديل تكتيكي في تعاطي واشنطن مع الواقع السوري الجديد، حيث لا انقلاباً استراتيجياً في موقفها تُجاه النظام الجديد أو مسار التحول السياسي في سورية. هذا النوع من التصريحات ليس سوى محاولة لإدارة المشهد السوري وفق “رؤية مبتورة” تلائم مصالح الإدارة الأمريكية الحالية، وبهذا تبدو واشنطن أكثر حرصاً على ضبط الأوضاع وضمان استقرار محدود يسمح لها بالتأثير، بدلاً من إحداث تغييرات جوهرية تُفضي إلى تفكيك النظام أو بناء سلطة جديدة تتمتع بشرعية شعبية حقيقية. هذا النهج يرتكز على حسابات استراتيجية رصينة، دون تحمل تبعات فوضى أو فراغ سياسي قد تضر بمصالحها الإقليمية والدولية.
الاستنتاج السياسي الذي يغفل عنه كثيرين، بأن التصريحات الأمريكية الداعمة للسلطة الانتقالية لا ترسم ملامح دعم واضح بغية صياغة مستقبل سوري قائم على العدالة والمواطنة، بل هي ضوء أخضر مؤقت لإدارة أزمة قائمة، تضمن استمرار منظومة السلطة الانتقالية في نسختها الحالية، مع فرض شروط أمريكية تحكم الواقع السوري بعناوينه الحالية، وهذا في المقابل يخلق وهمًا سياسيًا خطيرًا لدى من يعتقدون أن تلك التصريحات تحمل بين طياتها ضمانات للتغيير الفعلي، وضمن المدى الزمني فإن أي تطور نوعي في المشهد السوري يتطلب استيفاء شروط أمريكية متعددة ومركبة، تشمل الشرعية الداخلية وتقبل الفاعلين المحليين لمسار سياسي واضح، فالديمقراطية والعدالة الانتقالية لن تتحققا كأهداف منفصلة عن هذه الشروط، ولن تكونا سوى نتاج طبيعي لعملية توازن مصالح، وليس نتيجة تصريحات سياسية عابرة.
الأمر في جوهره يتعلق بإدراك استراتيجي عميق لطبيعة اللعبة السياسية التي لا تحكمها مجرد مواقف خارجية دارجة، بل سعي دائم من جميع الأطراف للحفاظ على مصالحهم ضمن حدود ضيقة من الاستقرار سواء بجانبه السياسي أو الأمني، والولايات المتحدة تخشى في هذا السياق من الانزلاق إلى سيناريوهات قد ترفع من درجة اللااستقرار والفوضى مما قد يهدد مصالحها بشكل مباشر، لذلك تختار مساراً واقعياً محافظاً لا يغير قواعد اللعبة بشكل جذري، بل يكبح أي زخم من شأنه أن يهدد مصالحها أو يضعف نفوذها.
بهذا المعنى فإن الغاية الأمريكية من دعم السلطة السورية الجديدة لا تكمن في تقوية هذه الحكومة بحد ذاتها، بل في استخدامها كأداة لإعادة ترتيب الملفات الإقليمية الكبرى التي تشغل واشنطن منذ سنوات، فالإدارة الأمريكية تدرك أن استقرار سوريا في هذا التوقيت يُعدّ مدخلاً لحلحلة العديد من الملفات العالقة في الشرق الأوسط، من إعادة ترتيب العلاقات مع تركيا وروسيا، إلى إدارة ملفات اللاجئين، وضمان أمن الحدود الإقليمية. هذه الرؤية الاستراتيجية تتجاوز مجرد رغبة في تثبيت حكومة جديدة، بل تهدف إلى ترسيخ توازن إقليمي جديد يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية على السواء، وضمان عدم عودة النفوذ الإيراني، وتحقيق توازن جديد في الشرق الأوسط.
التحول الأمريكي يعكس رغبة في تفكيك البنية القديمة للصراع في المنطقة، عبر دعم مسار سياسي يضمن توازنات جديدة، ويدفع باتجاه مصالحة إقليمية واسعة. نتيجة لذلك فإن التصريحات الأمريكية “الداعمة” للسلطة الانتقالية في دمشق ليست مبنية على ولاءات أو شراكات أيديولوجية، بل على حسابات استراتيجية ترتبط بتحقيق أمن إسرائيل، وضمان عدم عودة الفوضى أو تمدد الإرهاب. وفق هذه الرؤية يُنظر إلى الحكومة السورية المؤقتة على أنها لبنة أساسية في خطة أمريكية أوسع تهدف إلى تثبيت توازن إقليمي جديد، وتحويل سوريا من ساحة صراع إلى عامل استقرار تحتاجه الإدارة الأمريكية مؤقتاً.
وربطاً بما سبق فإن تحذير ترامب لإسرائيل من عرقلة الانتقال السياسي في سوريا وسط تصعيد عسكري متواصل في الجنوب السوري، تعكس فهماً استراتيجياً عميقاً للواقع الجيوسياسي المتحول في المنطقة والتركيبة الدقيقة للمصالح الدولية المتشابكة هناك. فواشنطن، كفاعل دولي رئيسي لا تنظر إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية مجرد تكتيكات عسكرية منفصلة، بل تدرك أن لكل تحرك على الأرض انعكاسات واسعة على مسار التسوية السياسية الإقليمية والدولية في سوريا والمنطقة بأسرها، كما تلحظ واشنطن خطورة أن يخلق التصعيد الأمني حالة من عدم اليقين التي قد تدفع الأطراف الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب حساباتها، مما يفتح الباب أمام تصعيد أكبر أو الدخول في حواجز تعرقل مسارات الحلول السياسية المطروحة.
أمجد
ووفق المنظور الأمريكي فإن أي تحرك إسرائيلي غير مدروس أو غير مضبوط أمريكياً قد يُهدد بانهيار المسار الذي تتبناه واشنطن حيال سورية، وربما يُعيد إنتاج العنف بمستوياته كافة، والتصعيد الإسرائيلي أو تراجع السلطة في هذا المجال فأي منهما يمكن أن يعيد المشهد السياسي السوري إلى دائرة الصراعات المفتوحة، ويضعف قدرة دمشق على التفاوض واستكمال المرحلة الانتقالية.
السياسة الأمريكية تتجه صراحةً نحو إدارة الواقع بدل محاولة إعادة تشكيله بالقوة، مع تبني نهج البراغماتية الحذرة التي تركز على تحقيق الاستقرار المحسوب بغض النظر عن جذور النظام الجديد، وبهذا فإن واشنطن ترفض أي “خطة بديلة” للسلطة الحالية، وتتعامل مع سوريا كما هي على اعتبارها كيان هشّ يحتاج ضبطاً دبلوماسياً وسياسياً أكثر من إعادة هندسة بالقوة، وهذا يعكس انتقالاً من سياسة العقوبات والضغوط إلى سياسة الشراكة الأمنية والتعاون، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية كوسيلة لفرض التوازن وتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة.
في النهاية، فإن الفهم الدقيق للتصريحات الأمريكية تجاه السلطة الانتقالية يُؤسس على أن هذه التصريحات هي أدوات سياسية ضمن آلية ضغط محدودة، لا أكثر من ذلك، وهنا فإن السلطة الانتقالية في دمشق مدعوة لإدراك أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج عبر شعارات متجددة، بل يتطلب بناء بيئة سياسية داخلية صلبة، ترتكز على توافق وطني، وتنفذ عبر استراتيجيات تكاملية تشمل معالجة شاملة لقضايا العدالة والهوية والمواطنة، مع إدراك كامل للضغوط الإقليمية والدولية.
كاتب وباحث سياسي
2025-12-06