الانتخابات في العراق – تغيير ام تدوير ؟
حسام الحداد
يقف على الابواب موعد الانتخابات العامة لمجلس النواب العراقي ، المقرر اجرائها في الحادي عشر من الشهر القادم ، تشرين الثاني لهذا العام ، ومعها يشتد الصراع والتنافس بين مختلف الكتل والتحالفات والاحزاب والحركات السياسية ، بهدف الوصول الى عضويته وحصد اكبر قدر ممكن من اصوات الناخبين.
ومع هذا الاقتراب يشتد الجدل بين مختلف الاحزاب والكتل السياسية وفي الشارع العراقي حول الموقف منها ؛ المشاركة فيها ام المقاطعة لها ؟ فلا خيار ثالث بين هذين الخيارين.
كما هو معروف ان نسبة مساهمة الناخبين في الانتخابات في الدورات السابقة كانت متدنية جداً . وكان العزوف عنها يرتكز على مبررات واقعية ، يقف على رأسها عدم القناعة بأن نتائجها ستحدث تغييراً كبيراً ومضموناً يفضي الى ازاحة منظومة المحاصصة الراسخة بقوة والقضاء على الفساد باشكاله وحل المسائل المصيرية الكبرى التي تواجه البلد ، والى تسخير الامكانيات الوافرة لتحسين معيشة المواطن وحفظ كرامته .
على الرغم من عدم وجود اية تغييرات جوهرية على هيكل الخارطة السياسية العامة في البلد ( شيعة ، سنة ، اكراد ) ، الذي رسخه وحماه نظام المحاصصة السائد ، فأن ما يجري هو عمليات فرز وتدوير مستمر واعادة الاصطفاف داخل المعسكرات الكبيرة السالفة الذكر. وفي هذا السياق ، لعل ابرز هذه الاصطفافات الجديدة هو التفاف العديد من اعضاء مجلس النواب في دورته الحالية حول شخص رئيس الوزراء وبرنامجه الانتخابي وتشكيل تحالف ” الاعمار والتنمية ” ، قدم هؤلاء بشكل اساسي من الاطار التنسيقي ، ومن المستقلين . اصطفاف املته مصالح اقتصادية وسياسية وظروف محلية واقليمية ودولية.
توزع الشيوعيون وقسم من التشرينيين والمستقلين والعديد من الشخصيات البرجوازية والقومية المعروفة واعداد من الوطنيين والاحزاب الصغيرة على تحالفي البديل وزاخو- فاو. ان هذه التحالفات المتباينة البرامج والثقافات والافكار تنشط تحت عناوين المجتمع المدني الديمقراطي والقضاء على منظومة المحاصصة والفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في حين يقع على الضفة المقابلة في التنافس الانتخابي العديد من الاحزاب والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني ، كل من منطلقاته وتبريراته الخاصة . ولعل ابرز الكتل المقاطعة للانتخابات هو التيار الوطني الشيعي ( الصدري ) ، الذي يمتنع عن المشاركة فيها للدورة الثانية على التوالي . لكن يبقى المقاطع الاكبر هو الجمهور الشعبي المستقل ، الذي فقد ثقته بنظام الحكم الحالي وقناعته الكبيرة بعدم القدرة على ازاحة رموزه المعروفة.
ان اعتماد آلية الانتخابات البرلمانية لتداول السلطة في غالبية بلدان العالم هو اجراء وضع لضمان بقاء البرجوازية على دفة الحكم وتأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية تحت غطاء الديموقراطية . وما الانتخابات الا احد اشكال الصراع بين اجنتحها المختلفة حول مركزة القرار الاقتصادي والسياسي والامني بيد هذه الفئة او تلك .
ان الانتخابات البرلمانية لن تقود الى حل المسائل الجذرية للكادحين وتحررهم من الاستغلال الطبقي على الرغم من كونهم يشكلون الوقود الاساسي لها بسبب من سيادة الوعي البرجوازي في المجتمع.
ومن الممكن هنا الاشارة الى العديد من المآخذ على الانتخابات البرلمانية في العراق وخاصة في دورتها السادسة التي ستجري في الشهر المقبل مع مقترحات بديلة .
- ان ابرز الثغرات في النظام الانتخابي الحالي ، الذي حدده قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 القائم على اساس الدائرة الواحدة مع تطبيق آلية سانت ليغو النسبية وقاسم انتخابي 1,7 ، يصب في مصلحة الكتل الكبيرة ويقلل من فرص الكتل والاحزاب والتحالفات الصغيرة.
- تعديل قانون الانتخابات نحو تكليف الكتلة او التحالف الانتخابي او الحزب ، الحائز على اكثرية الاصوات لتشكيل الوزارة ودفع بقية التحالفات والكتل والاحزاب نحو المعارضة البرلمانية بدلاً مما هو معمول به حالياً.
- حصرت المادة 8/ رابعاً من قانون الانتخابات حق الترشيح لنيل عضوية مجلس النواب بحملة الشهادة الاعدادية او ما يعادلها فما فوق. وهذا يحرم شرائح واسعة جداً من الشعب وخاصة من الكادحين من الدفع بمرشحيهم الى عضوية مجلس النواب. فلا وجود لقانون في الوقت الحاضر يحصر الحد الادنى للتعليم الالزامي في العراق بالشهادة الاعدادية .
- اعادة النظر بتركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
لقد رافقت الحملة الانتخابية الى الدورة الحالية السادسة الكثير من السلبيات منها : - نشاهد بوضوح التدخل الفج لقوى اقليمية ودولية فيها لصالح هذا الطرف او ذاك.
- شراء بطاقات الناخبين على المكشوف مقابل مبالغ مالية متفاوتة.
- التوجه الى العشائر من خلال شيوخها كرافعة انتخابية لهذا الحزب او التحالف او ذاك لم يمر بدون مقابل. والخشية الاهم هي الابقاء على السلاح الخارج عن سيطرة الدولة بيد افرادها.
- استغلال المواقع القيادية لموظفي الدولة وتسخيرها لخدمة الطرف الانتخابي الذي يمثله . والبعض من هؤلاء اعتمد اسلوباً قسرياً لجمع البطاقات الانتخابية او جلب عدد معين من الناخبين الى صناديق الانتخابات وهذا يتعارض مع ما ورد في المادة 27 والمادة 2 / رابعاً من قانون الانتخابات.
- لم تضمن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدم مشاركة الاحزاب التي تمتلك اجنحة وفصائل عسكرية مسلحة في الانتخابات البرلمانية.
- لم يتضمن قانون الانتخابات 9 /2020 حداً ادنى لنسبة المشاركين فيها لتحديد شرعيتها من عدمه . فأي مشاركة مهما كانت ضئيلة تعني تمريرها قانونياً.
- عدم وجود سيطرة كافية على سقف الانفاق على الدعاية الانتخابية.
- حتى بوجود تكنولوجيا متطورة فلا حماية كاملة من التلاعب والتزوير في نتائج الانتخابات.
وبخصوص الموقف من الانتخابات في دورتها الحالية السادسة نرى على الرغم من عدم وجود اي عائق فكري او نظري يمنع المساهمة فيها ، لكن لكثرة المثالب والثغرات وجديتها وممارسة الخروقات بشكل سافر ، تصبح المشاركة فيها امراً غير مقبولاً وغير منطقياً. لذا سنقاطعها اسوة وتضامناً مع بقية الجهات والاطراف السياسية الاخرى وخاصة مع الشرائح الشعبية الكادحة المقتنعة تماماً بانتفاء الجدوى من تحقيق اي تقدم يخدم الشعب في ظل نظام المحاصصة القائم. فستكون ، كما هو الحال في السابق ، القوى السياسية المؤثرة في مجلس النواب الحالي هي صاحبة القرار النهائي في المجلس القادم.
نحن ندعو الى انتخابات ديموقراطية اكثر عدالة تأخذ بالملاحظات الواردة اعلاه عند اجرائها ، بعيداً عن المحاصصة مع عدالة في الفرص والمساواة امام القانون . من خلال جعل العراق بأكمله دائرة انتخابية واحدة لم يحرم خلالها اي طرف من اي صوت انتخابي معنون اليه. - عضو الحزب الشيوعي الجديد في العراق
- 9/10/2025