أوروبا شريكة الموساد:
أفيفا غوتمان تكشف التاريخ السري للتواطؤ الاستخباراتي ضد النضال الفلسطيني
يوثق كتاب “عملية غضب الرب” التاريخ السري الرهيب لتواطؤ أجهزة المخابرات الأوروبية مع الموساد في حملة اغتيالاته ضد المناضلين الفلسطينيين
سعيد محمد*
في مساء 16 أكتوبر 1972، وبينما كان المترجم والمثقف الفلسطيني وائل زعيتر يدخل بهو مبنى شقته في روما، اندفع تجاهه رجلان وأفرغا في جسده إحدى عشرة رصاصة، رصاصة لكل رياضي إسرائيلي قُتل في عملية ميونخ – نفذتها منظمة أيلول الأسود لاحتجاز رهائن بغرض مبادلتهم بمعتقلين عرب وفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وذلك خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في مدينة ميونخ بألمانيا الغربية 1972-. لطالما صوّرت هذه الحادثة، التي دشنت حملة الاغتيالات الإسرائيلية المعروفة باسم “عملية غضب الرب”، على أنها عمل انتقامي جريء ومنفرد لجهاز الموساد. لكن ماذا لو لم يكن الموساد وحيداً؟ ماذا لو كانت الأجهزة الأمنية الأوروبية التي أدانت حكوماتها الاغتيالات علناً، هي نفسها التي قدمت للموساد المعلومات الاستخباراتية اللازمة لتحديد الهدف وتنفيذ الجريمة؟
هذه هي الأطروحة الصادمة والجذرية التي تقدمها الدكتورة أفيفا غوتمان، المحاضرة في الاستراتيجيا والاستخبارات بجامعة أبيريستويث، في كتابها الثمين: “عملية غضب الرب: التاريخ السري للاستخبارات الأوروبية وحملة اغتيالات الموساد*” بالاعتماد على نفاذ غير مسبوق لأكثر من 40,000 وثيقة غير منقحة من أرشيف “نادي بيرن” السري، لتقلب من خلالها السردية التقليدية رأساً على عقب، فتكشف أن حملة الاغتيالات الإسرائيلية لم تكن مجرد عملية إسرائيلية، بل كانت مشروعاً أوروبياً-إسرائيلياً مشتركاً، وإن كان بشكل غير معلن.
نادي بيرن: الدولة العميقة الأوروبية في خدمة الموساد
تكمن الأهمية الفائقة للكتاب في كشفه عن الآلية المؤسسية لهذا التواطؤ: ما يعرف ب”نادي بيرن”. تأسس هذا النادي عام 1969 كتجمع سري لرؤساء أجهزة المخابرات الداخلية في ثماني دول أوروبية غربية، لكنه سرعان ما توسع ليضم شركاء من خارج أوروبا، أبرزهم الموساد ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي. وبعد عملية ميونخ، تم إنشاء قناة اتصال مشفرة خاصة بمكافحة ما سمي ب”الإرهاب الفلسطيني” تحت الاسم الرمزي “كيلوواط”.
توضح غوتمان كيف تحولت هذه القناة إلى أداة حيوية لعملية “غضب الرب”. فالأجهزة الأوروبية لم تكتفِ بتزويد الموساد بمعلومات استخباراتية هائلة حول نشطاء فلسطينيين – أماكن سكنهم، أرقام هواتفهم، مسارات رحلاتهم، والأسماء المستعارة التي يستخدمونها – بل ذهبت إلى أبعد من ذلك. فبعد كل عملية اغتيال على أراضيها، كانت هذه الأجهزة ترسل تقارير الشرطة المفصلة وآخر مستجدات التحقيق عبر قناة “كيلوواط”، لتصل مباشرة إلى القتلة أنفسهم. وبهذا، كان الموساد على اطلاع دائم بما تعرفه السلطات الأوروبية، وما هي الثغرات في عملياته، وكيف يمكنه تحسين عملياته القادمة لضمان الإفلات من العقاب.
فعلى سبيل المثال، بعد اغتيال وائل زعيتر، أرسلت المخابرات الإيطالية (SISDE) تفاصيل لوحة أرقام سيارة الهروب، واسم المستأجر المستعار، وحتى الرسم التقريبي لوجهه. وبعد اغتيال محمد بودية في باريس بعبوة ناسفة في سيارته عام 1973، شاركت المخابرات الفرنسية (DST) فرضية الشرطة بأن الانفجار كان “حادثاً عرضياً” أثناء نقل بودية للأسلحة، مما منح الموساد تأكيداً بأن غطاءه لم ينكشف.
نفاق الدولة البورجوازية والنظام الأمني الموازي
كتاب “عملية غضب الرب” لا يقدم تأريخاً ضرورياً لدور أجهزة الاستخبارات الغربيّة في صنع الحدث التاريخي فحسب، بل ويعري الطبيعة المزدوجة للدولة البورجوازية الغربية. فبينما كانت الحكومات الأوروبية، مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا، تتخذ مواقف علنية نقدية تجاه إسرائيل (وصلت إلى حد رفض تزويدها بقطع غيار للدبابات خلال حرب 1973)، كانت أجهزتها الأمنية – دولتها العميقة – تتعاون بشكل وثيق مع الموساد في قمع حركة التحرر الوطني الفلسطينية واغتيال مناضليها.
هذا التناقض ليس مجرد نفاق دبلوماسي لحكومات عابرة، بل هو جوهر عمل الديمقراطيات الغربيّة التي تسعى للحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية وعلاقاتها بالدولة العبرية بأي ثمن. تسمي غوتمان هذا الواقع نظاماً أمنياً موازياً، حيث تعمل أجهزة الاستخبارات بشكل مستقل عن قيود السياسة الخارجية الرسمية والرقابة العامة والبرلمانات. وفي هذا الفضاء السري، تتلاشى الاعتبارات الأخلاقية والقانونية، وتصبح لافتة “مكافحة الإرهاب” غطاءً للتعاون مع أقذر أجهزة الاستخبارات في تنفيذ عمليات قتل خارج نطاق القضاء على الأراضي الأوروبية. لقد كانت الحكومات الأوروبية تمارس لعبة مزدوجة: الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول العربية من أجل النفط والمصالح التجارية، وفي الوقت نفسه، تشارك سراً في عمليات تصفية الكوادر السياسية والعسكرية الفلسطينية التي تهدد هذا الاستقرار.
تحطيم الأسطورة: الموساد ليس كلي القدرة
أحد أهم إنجازات الكتاب هو تحطيمه لأسطورة الموساد كجهاز كلي القدرة والمعرفة. تُظهر غوتمان بوضوح أن الموساد كان يعتمد بشكل كبير على شركائه الأوروبيين، ولولا المعلومات التي قدمتها أجهزة مثل MI5 البريطانية، وBfV الألمانية الغربية، وDST الفرنسية، لكانت عملية “غضب الرب” أكثر صعوبة، إن لم تكن مستحيلة بهذا النطاق. حتى في فضيحة ليلهامر الشهيرة عام 1973، عندما قتل الموساد نادلاً مغربياً بريئاً يدعى أحمد بوشيكي ظنًا أنه علي حسن سلامة – قائد عمليات “أيلول الأسود” -، يكشف الكتاب أن الصورة التي استخدمها عملاء الموساد للتعرف على الهدف (بشكل خاطئ) كانت قد وصلتهم من جهاز MI5 البريطاني.
يقدم الكتاب، عبر هيكله السردي الذي يتبع الاغتيالات والهجمات المضادة – اغتيالاً باغتيال وهجوماً بهجوم -، رؤية شاملة لا تقتصر على عمليات الموساد، بل يخصص فصولًا كاملة لتحليل هجمات منظمة “أيلول الأسود” أيضاً وكيف تعاونت أجهزة “نادي برن” بغرض إحباطها. وبهذا، يتوالى النص كأنه رواية جاسوسية حقيقية، مليئة بالتفاصيل المشوقة التي تجعل القارئ يعيش في قلب “حرب الظلال” التي دارت رحاها في شوارع أوروبا خلال عقد السبعينيات.
من ميونخ إلى غزة: أهمية الكتاب اليوم
لا تكتفي غوتمان بسرد أحداث الماضي، بل تربطها بشكل مروّع بالحاضر. في خاتمة كتابها، تشير إلى أنه كما ولّدت أحداث ميونخ 1972 “عملية غضب الرب”، فإن هجمات 7 أكتوبر 2023 أدت إلى تشكيل وحدة اغتيالات إسرائيلية جديدة باسم “نيلي ” (Nili)، مهمتها مطاردة وتصفية كل من شارك في الهجوم.
والسؤال الذي يطرحه الكتاب ضمنياً: هل ستقدم القوى الأوروبية والإقليمية مرة أخرى الدعم الاستخباراتي المعهود لهذه الحملة الجديدة من القتل خارج نطاق القانون؟ وإذا فعلت، فهل ستتمكن من إخفاء تواطؤها لخمسين عاماً أخرى؟
كتاب أفيفا غوتمان عملً تأريخي استثنائي، يقدم الرواية الأكثر موثوقية وتوثيقاً لعملية “غضب الرب” حتى الآن، ويجرؤ على كشف الحقيقة غير المريحة للتواطؤ الأوروبي العميق ضد الفلسطينيين. إنه كتاب لا غنى عنه لكل من يهتم بتاريخ الاستخبارات، والصراع العربي-الإسرائيلي، والطبيعة الحقيقية لعمل الديمقراطيات الغربيّة، حيث تُصنع السياسات الأكثر خطورة في الظل، وينفذ القتل وترتكب الجرائم بعيداً عن أعين الشعوب التي تدّعي تمثيلها.
——–
“Operation Wrath of God: The Secret History of European Intelligence and Mossad’s Assassination Campaign” by Aviva Guttmann, Cambridge University Press, 2025.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2025-10-13
تعليق واحد
كان تنظيم الخارج الذي يقوده الشهيد وديع حداد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قدرة كبيرة وهائلة وانجازات ناجحة لجهاز الاستخبارات والمعلومات والتنفيذ لهذا الجهاز وقد قاد عمليات عديدة وناجحة ضد الموساد في اوربا رغم صعوبة التنقل والاحتماء والاختبار ورغم ان جميع مخابرات العالم تعمل ضدهم .
واما عن التواطؤ الاوربي مع الموساد لتسهيل عمليات الاغتيالات للشخصيات الوطنية الفلسطينية ، فالعرب لديهم حصة كبيرة وهائلة يقدمونها بالمجان للموساد واخرها اغتيال المبحوح في الامارات .
واعتيال ابو نضال في العراق تحت ذريعة ان ابو نضال قد انتحر في مقر اقامته في بغداد.