معجزة الطوفان…!
اضحوي جفال محمد*
في مثل هذا اليوم قبل سنتين كانت إسرائيل مدللة الغرب، واحة الحضارة بين الهمج، والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ومنبر الحرية الوحيد بين صنوف القمع والاستبداد، والشعب المسالم المهدد على الدوام من جانب الارهاب والكراهية والعدوان، وكانت نموذج الابداع والتقدم بين جموع المتخلفين والجهلة. لذلك يتعاطف معها الغرب دون جدال، ويساعدها دون حساب، ويتبنى أقوالها دون تمحيص. ومع أن ذلك كله غير صحيح فإن تغييره غير ممكن. لقد رسخت الصورة الزائفة في الأذهان وباتت ازالتها بحاجة إلى معجزة حقيقية في غير زمن المعجزات، وتحققت المعجزة على أيدي شعب فلسطين بدمائهم الزكية التي جرفت كل الأوهام وأيقظت شعوب الارض من أشد غفلة عرفها التاريخ.
في هذا الزمن القياسي تبدل وجه الارض، وتزعزعت مفاهيم ضاربة في الأعماق، وأنيرت مجاهل الوعي الإنساني، وانقلبت الصورة إلى نقيضها. كانت جميع أموال العرب وجهودهم وأدعيتهم لا تكفي لإحداث هذا التحول الإعجازي.. فحدث من دون أموال الحكام وجهودهم، بتضحيات شعب محاصر آمن بحقه وكرامته وقدرته على الثبات.
كان اعتراف المسؤول الغربي بمظلومية شعب فلسطين يكفي لإفشاله في الانتخابات فأصبح دعمه للصهيونية يسقطه في الانتخابات!. وكانت صورة العربي في الغرب مخزية ومقترنة بالتخلف والوضاعة فرفعها أبطال فلسطين إلى مصاف الشمس، وأصبح العربي في الخارج يتقصد الإشارة إلى أنه من دم اولئك العظماء المقاتلين لينال احتراماً وإكباراً من محدثيه الأجانب.
لم يتظاهر الغربيون بالمجمل كما تظاهروا نصرةً لغزة، ولم يحملوا قضية أسمى منها.. إلى درجة أن كثيرين منهم يضحون بمناصبهم وحقوقهم في سبيل الدفاع عن هذا الحق المنير. ولم تستكن أمة ازاء الدفاع عن كبريائها كما استكان العرب في هذه الحقبة السوداء من تاريخ ذلهم الطويل. وليتهم استكانوا فقط ولم يؤازروا العدو ويغدروا بالشقيق، ومع ذلك يفعل طوفان الدماء فعله في النفوس ويحيي مزيداً من العزائم ويشفي مزيداً من الصدور. وانها لمكرمة من الله لهذه الامة أن يبلي نفرٌ منها هذا البلاء وينجزوا كل هذا العطاء، وهي دليل مادي على أن المجد الذي نسيناه ما نسينا.
( اضحوي _ 2260 )
2025-10-09