اعتراف أستراليا بدولة فلسطين: خطوة إيجابية تحتاج إلى مواقف عملية!
حسام فيصل درنيقة*
قبل الحديث عن الاعتراف، لا بد من التذكير بمسؤولية الحكومة الأسترالية تجاه مواطنيها الناشطين الذين يبحرون اليوم في سفن الإغاثة المتجهة إلى غزة، وفي مقدمتهم الناشط أبو بكر، الذي كان من أوائل المعتصمين في المخيم الطلابي بجامعة سيدني مطالبًا بقطع العلاقات مع الجامعات الإسرائيلية. لقد ترك منزله متحديًا قسوة الطقس، وأقام في المخيم الدائم داخل الجامعة إيمانًا بعدالة القضية الفلسطينية. ومن واجب الحكومة الأسترالية أن تحميه وتحمي رفاقه الناشطين الأستراليين بيانكا وايزلا وجوليت وغيرهم من أبناء أستراليا المشاركين في الأسطول، وأن تضمن لهم الدعم والرعاية، وهم يؤدون دورًا إنسانيًا يعكس الضمير الحي لأستراليا.
أما عن إعلان أستراليا اعترافها بدولة فلسطين، فهو يُعَدّ خطوة إيجابية على المسار الصحيح وخبرًا يبعث شيئًا من الأمل في قلوب الفلسطينيين والعرب عمومًا. فهذا القرار ليس منّةً على الشعب الفلسطيني، بل هو أقل من حقه الطبيعي، إذ إن الفلسطينيين أصحاب الأرض كلها قبل عام 1948، وما أي اعتراف جزئي إلا انعكاس لواقع سياسي معقد يختزل حقوقًا تاريخية لا تسقط بمرور الزمن.
ورغم ذلك، فإن الظروف الراهنة تجعل من هذا الاعتراف تطورًا لا يمكن إغفاله، إذ يعبّر عن إقرار بجزء من الحق الفلسطيني في وقتٍ تُقيّد فيه موازين القوى إرادة الشعوب. ولو وُجد في المجتمع الدولي ميزان عدل حقيقي يقيم الحق والإنصاف، لعادت فلسطين بكاملها إلى شعبها، ولعاش الفلسطينيون – بمختلف دياناتهم – على أرضهم بحرية كما تعيش الشعوب في اليمن أو المغرب أو غيرهما من البلدان.
صحيح أن هذا الاعتراف يبعث شيئًا من الارتياح في نفوس كثيرين ممن يتطلعون إلى الرموز والشعارات، غير أن جوهر القضية أعمق من ذلك. فالمجتمع الدولي، بتشابكاته ومصالحه، لا ينصف المظلوم دائمًا، وإنما يوازن بين ضغوط السياسة والاقتصاد. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بخطوات رمزية، بل العمل على فرض احترام القانون الدولي على الاحتلال، ولو بالحد الأدنى.
ومن موقعي كابن للجالية العربية في أستراليا كما الكثير من ابناء الجالية، نرى أن المسؤولية تقتضي أن تذهب حكومة حزب العمال أبعد من الاعتراف الشكلي. فالواجب أن توقف كل أشكال الدعم العسكري للكيان المحتل، وأن تمارس ضغوطًا دبلوماسية جادة تبدأ ببحث مسألة تمثيله الدبلوماسي وصولًا إلى مراجعة العلاقات معه. وقد سبقت لأستراليا مواقف مماثلة، كطرد السفير الإيراني ومقاطعة روسيا للضغط عليها في حربها ضد أوكرانيا، فكيف لا تتخذ مواقف مشابهة إزاء المجازر التي تُرتكب في غزة، وهي أفظع وأشد وطأة إنسانيًا؟
إن اعتراف أستراليا بدولة فلسطين يظل خطوة إيجابية، لكنه ليس الغاية المنشودة. فالعدل لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالفعل السياسي والمواقف الجادة التي تكفل وقف نزيف الدم، وتمنح الشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقه المشروع في الحرية والكرامة
أستراليا –
25/09/2025