اغتيال النساء في البصرة يتصاعد في ظل غياب الشفافية والقانون!
لعل مقتل الطبيبة بان كان الأبشع
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تشهد محافظة البصرة منذ سنوات تصاعدًا خطيرًا في استهداف النساء، سواء بالاغتيال المباشر أو بالتهديد والابتزاز والوصم الاجتماعي. هذه الظاهرة لم تعد مجرد أحداث متفرقة، بل باتت تعبيرًا عن أزمة عميقة في البنية الأمنية والقانونية والاجتماعية للدولة العراقية. ولعل مقتل الطبيبة الشابة بان شكّل أبشع حلقة في هذا المسلسل المظلم، حيث قُتلت بدم بارد رغم كونها طبيبة تُعالج الناس وتخدم مجتمعها، لتصبح حياتها ضحية صراع لا علاقة لها به.
أمثلة شاخصة لاغتيال النساء في البصرة
لم يكن مقتل الطبيبة بان الحادثة الوحيدة، فقبلها شهدت البصرة اغتيالات استهدفت نساء برزن في المجتمع:
• رهام يعقوب (2020): الطبيبة والناشطة المدنية التي عُرفت بقيادتها حملات شبابية رياضية وصحية، اغتيلت وسط المدينة برصاص مجهولين. جريمتها الوحيدة أنها رفعت صوتها مطالبة بحقوق البصريين في بيئة نظيفة وخدمات لائقة وحياة كريمة.
• سعاد العلي (2018): الناشطة الحقوقية التي اغتيلت أمام مرأى المارة، بعد أن لعبت دورًا بارزًا في دعم الاحتجاجات الشعبية.
• تصفية إعلاميات وناشطات: بعضهن قُتلن بطرق غامضة، وأخريات تعرضن للتهديد فاضطررن لمغادرة المدينة أو حتى العراق.
هذه الحوادث ليست متباعدة زمنيًا أو عشوائية، بل تحمل خيطًا ناظمًا واحدًا: كل امرأة تجرؤ على أن تكون فاعلة في المجتمع تُصبح هدفًا محتملاً.
غياب الشفافية القانونية والأمنية
المفارقة المؤلمة أن معظم هذه الجرائم قُيِّدت ضد مجهول، ولم تُكشف للرأي العام نتائج تحقيقات جدّية. هذا الغموض يفتح الباب أمام احتمالات ثلاثة:
1. تقصير أمني متعمد أو غير متعمد.
2. تواطؤ قوى نافذة مع منفذي الجرائم.
3. عجز القضاء أمام نفوذ الجماعات المسلحة.
وبذلك تتحول البصرة إلى بيئة يختلط فيها السياسي بالجنائي، والرسائل المبطنة بالتصفيات المباشرة.
البعد الاجتماعي والنفسي
• تعميم الخوف: كل امرأة ناجحة أو مستقلة باتت تشعر بأنها مهددة.
• انكفاء النساء: تقلصت مشاركة النساء في الحراك المدني خوفًا من مصير مشابه.
• تفكك الثقة المجتمعية: الناس باتوا يعتقدون أن الدولة غائبة، وأن القانون مجرد شعار بلا مضمون.
التداعيات على صورة البصرة والعراق
البصرة مدينة نفطية تُوصف بأنها “رئة العراق الاقتصادية”، لكنها اليوم تُعرف عالميًا بصور الاحتجاجات والاغتيالات والفوضى. هذه الصورة السلبية تُضعف فرص الاستثمار والتنمية، وتُظهر عجز الدولة عن حماية نصف المجتمع.
ما المطلوب؟
1. كشف الحقيقة: إعلان نتائج التحقيقات في جرائم اغتيال النساء، وعدم التستر على أي طرف متورط.
2. تشريعات رادعة: قوانين خاصة لمكافحة جرائم العنف ضد النساء مع ضمان التنفيذ الفعلي.
3. إرادة سياسية: وضع حد لتغول السلاح المنفلت والجماعات الخارجة عن القانون.
4. حماية الناشطات والطبيبات والإعلاميات: عبر آليات أمنية وقانونية، وضمان عدم إفلات أي جريمة من العقاب.
5. تفعيل دور المجتمع المدني والإعلام: برفع الوعي والضغط المستمر على السلطات.
خاتمة
إن مقتل الطبيبة بان، وقبلها رهام يعقوب وسعاد العلي وغيرهن، يكشف أن اغتيال النساء في البصرة لم يعد استثناءً بل أصبح ظاهرة لها جذورها العميقة في بنية الفوضى العراقية. هذه الجرائم ليست مجرد اعتداء على فرد، بل هي هجوم على قيمة الحياة نفسها، وعلى حق المرأة في الوجود والمشاركة. حماية النساء ليست خيارًا ثانويًا، بل شرط وجودي لبناء دولة تحترم الإنسان وتضمن استقرارها. فمن يسكت عن قتل نسائه يفتح الباب واسعًا أمام انهيار المجتمع بأسره.
2025-08-28