محطة برلين: تشريح معمق لآلة الهيمنة الأمريكية!
يقدم مسلسل التجسس محطة برلين نظرة واقعية وقاتمة على عالم وكالة الاستخبارات الأمريكية، كأداة إمبريالية فاسدة تخلق الفوضى التي تدّعي محاربتها، وتبني مجداً دموياً زائفاً على جثث الأبرياء وحطام الأرواح.
سعيد محمد*
في عالم الدراما الجاسوسية المشبع بالبروباغاندا لتلميع أقذر أدوات الإمبرياليّات الغربيّة وتمجيد البطولات الفردية للسيد الأبيض وذكائه الخارق، يطرح مسلسل “محطة برلين” (Berlin Station) مقاربة أكثر قتامة وواقعية، وإن لم تكن مقصودة دائماً، عن عالم الاستخبارات. شكلاً، يبدو المسلسل للوهلة الأولى كدراما تشويق متقنة الصنع، تدور أحداثها في العاصمة الألمانية التي كانت يوماً مسرحاً رئيسياً لصراعات الحرب الباردة، لكن تحت طبقة التشويق والمؤامرات، يقدم العمل تشريحاً عميقاً من منظور نقدي، للجسد المريض لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ويكشف عن وجهها كأداة إمبريالية لا تنشغل ب “الأمن القومي” للأمريكيين بقدر ما تعمل للحفاظ على موقعها في السلطة، وتمديد هيمنة نخبة واشنطن الفاسدة على العالم، حتى لو كان الثمن إفساد علاقاتها مع حلفائها، وتشويه حياة جواسيسها، وخلق الفوضى التي تدّعي محاربتها.
المسلسل، الذي عُرض لثلاثة مواسم بدءاً من عام 2016 – يتوفر على نيتفليكس في بعض الدّول و (آي تي في) في بريطانيا -، يتبع المحلل دانيال ميلر (ريتشارد أرميتاج)، الذي ينتقل من هدوء مكتبه في لانغلي إلى العمل الميداني في محطة برلين في مهمته عاجلة: الكشف عن هوية “توماس شو”، وهو كاشف أسرار على غرار إدوارد سنودن، يقوم بتسريب أسرار عمليات الوكالة في أوروبا. لكن ما يكتشفه ميلر، وما نكتشفه معه، أن العدو الحقيقي ليس مجرد مُسرّب الأسرار، بل هو النّظام نفسه؛ تلك الشبكة المعقدة من المصالح الشخصية، والفساد البيروقراطي، والغطرسة الإمبريالية التي تجعل من وكالة الاستخبارات الأمريكية كياناً خطيراً على العالم، وعلى منسوبيه في آن.
تفكيك صورة الجاسوس: من البطل إلى الضحية
خلافًا لصورة العميل الساحر مثل جيمس بوند، أو الجندي الخارق مثل جيسون بورن، فإن جواسيس محطة برلين شخصيات محطمة، غارقة في الكحول والعلاقات الفاشلة، والشعور بالذنب. إنهم ليسوا أبطالًا بقدر ما هم ضحايا وتروس في آلة أكبر منهم، آلة تطحن إنسانيتهم رويداً رويداً.
دانيال ميلر يمثل الوافد الجديد المثالي، الذي لا يزال يؤمن بجدوى المهمة وأهميتها رغم عيوب المنظومة. لكن سرعان ما يتلوث بالواقع القذر للعمل الميداني، حيث الأكاذيب والخداع والتضحية بالأبرياء ليست استثناءات، بل القاعدة. رحلته رحلة فقدان البراءة، وإدراك أن “الوطن” الذي يخدمه هو مجرد واجهة لمصالح سياسية واقتصادية لا تتورع عن ارتكاب أقذع الجرائم.
على النقيض منه، يقف هيكتور ديجين (أداء مذهل من ريس إيفانز)، العميل الميداني المخضرم الساخر والمتهتك. هيكتور هو قلب المسلسل النابض وضميره المنبعث من قلب صناعة الموت والخراب. حياته الصاخبة، وعلاقاته العابرة وكأنها قناع يخفي تحته رجلاً رأى الكثير من الفظائع، وفعل الكثير من الشر باسم “الواجب”. شخصيته تجسيد للحقيقة المرّة: البقاء في هذا العالم القذر لفترة طويلة يعني إما أن تصبح وحشاً أو أن تخسر نفسك في محاولة يائسة للحفاظ على بقايا إنسانيتك. هيكتور هو النتاج الحتمي لسياسة خارجية أمريكية لا ترى في كل الآخرين، بمن فيهم عملاؤها وحلفاؤها، سوى أدوات – يمكن التخلّص منها -، أو عقبات – ينبغي التخلص منها -.
أما القيادات مثل ستيفن فروست (يؤدي الدور ريتشارد جينكينز) وروبرت كيرش (ليلاند أورسر)، فهما يمثلان الماكينة البيروقراطية للإمبراطورية: لا يهتمان كثيراً بالأيديولوجيا أو بالوطنية، بقدر ما يستحوذ على حياتهما هوس الترقيات والمناصب وطرائق الحفاظ على مكانتهما داخل النظام. صراعاتهما الداخلية ليست حول أفضل السبل لحماية أمريكا، بل حول من سيحظى بالتقدير ومن سيتحمل اللوم. هذا التصوير الدقيق يحوّل الـوكالة من مؤسسة أمنية غامضة إلى مجرد شركة أخرى، تحكمها حروب المكاتب والمنافسة الشرسة، وتنتج للعالم الموت والخراب والفوضى الخلاقة.
برلين: مسرح للجريمة الأمريكية على أرض الحلفاء
اختيار برلين كمسرح للأحداث ليس مصادفة. المدينة نفسها هي ندبة تاريخية شاهدة على انقسام العالم، وتلاعب القوى العظمى بمصائر الشعوب. في العمل، لا تُعامل كعاصمة لدولة حليفة ذات سيادة، بل كساحة خلفية لعمليات الاستخبارات الأمريكية التي تمارس نشاطاتها بتجاهل شبه كامل لنظيرتها الألمانية، وتتلاعب بمسؤوليها، وتخرق قوانينها، وتنظر إليها بعين الشك والازدراء.
هذه الديناميكية هي صورة مصغرة للعلاقة الأمريكية مع حلفائها الأوروبيين بشكل عام. إنها علاقة السيد بالتابع، حيث يُسمح للولايات المتحدة بما لا يُسمح لغيرها، وتُفرض “المصالح الأمريكية” كأولوية قصوى يجب على الجميع خدمتها. محطة برلين يُظهر بوضوح كيف أن هذه الغطرسة تولّد الاستياء وعدم الثقة، وتجعل من التعاون الأمني الحقيقي أمراً شبه مستحيل. عملاء الاستخبارات الألمانية ليسوا أغبياء، وهم يدركون تماماً أن الأمريكيين يستخدمونهم بقدر ما يتعاونون معهم.
من خلال تصوير هذه العلاقة المتوترة، يقدم المسلسل نقداً لاذعاً لفكرة “التحالف الغربي” ككتلة متجانسة. إنه يكشف عن التصدعات العميقة التي أحدثتها عقود من الهيمنة الأمريكية، حيث يُتوقع من الحلفاء التغاضي عن التجسس على مواطنيهم وقادتهم – بمن فيهم مستشارة ألمانيا حينها أنجيلا ميركل -، والمشاركة في عمليات مشبوهة مثل “تسليم الأشخاص خارج القانون” تحت الشعار المزعوم للحرب على الإرهاب.
معضلة “توماس شو”
محور الموسم الأول، وهو مطاردة كاشف الأسرار الغامض (توماس شو)، التي تضعنا أمام السؤال الأخلاقي الأهم في عصرنا الرقمي: من هو الخائن الحقيقي؟ هل هو الشخص الذي يُسرّب معلومات تكشف جرائم الدولة وانتهاكاتها، أم هي الدولة التي ترتكب هذه الجرائم في الخفاء وتطالب مواطنيها بالولاء الأعمى؟
من وجهة نظر الاستخبارات الأمريكيّة، (شو) عدو يهدد أمن جواسيس الوكالة والعمليات. ولكن من منظور المواطنين، فإن (شو) بطل يكشف الحقائق للرأي العام. العمل، بذكاء، لا يقدم إجابة سهلة. لكنه يميل، عبر شخصية هيكتور تحديداً، إلى إظهار أن التسريبات لم تأتِ من فراغ. إنها نتيجة مباشرة لـ”فوضى عارمة من صنع أيدينا”، كما يقول أحد الجواسيس. إنها صرخة من داخل النظام ضد أكاذيبه وتجاوزاته.
ويكشف المسلسل عبر سلسلة تسريبات (شو) أن الأسرار التي تحميها الوكالة ليست دائماً معلومات حيوية للأمن القومي، بل وفي كثير من الأحيان أدلة على إخفاقات وفظائع وجرائم حرب، ومطاردة كاشفي الأسرار ليست معركة من أجل الأمن، بل تغوّل من أجل السيطرة على السرديّة، لضمان بقاء أفعال الإمبراطورية المظلمة طي الكتمان. وبهذا المعنى، يصبح محطة برلين استكشافاً درامياً لأعمال شخصيات مثل جوليان أسانج وتشيلسي مانينغ وإدوارد سنودن، ويمنحنا الفرصة لمحاكمة شرعية السلطات التي تدّعي الحق في السرية المطلقة حتى عندما تتآمر ضد مواطنيها أو ضد الأبرياء.
مع كل هذا النقد، لم ينج محطة برلين من الدجل الأيديولوجي الذي تنتجه المخابرات الأمريكيّة نفسها فيما يتعلق بالحرب على الدولة السورية حيث تدور حبكة فرعية في موسمه الأول حول جهود تبذلها الوكالة لمنع (عرائس داعش) من السفر إلى سوريا – عبر تركيا دائماً -. يُصوِّر المسلسل، بسذاجة استشراقيّة، هذه المهمة كعمل بطولي إنساني، حيث يعمل الجواسيس الأمريكيون النبلاء على إيقاف تدفق الشابات المخدوعات إلى أحضان تنظيم إرهابي، وتقتل في تلك المهمة إحدى عميلاتهم، مقدماً بذلك السيد الأبيض حصناً منيعاً ضد التطرف الإسلامي. لكن هذه السردية المبسّطة والمضللة تتجاهل بوقاحة الدور التاريخي الموثق الذي لعبته الاستخبارات الأمريكية، بالتعاون مع حلفائها الإقليميين، في تسليح وتمويل الفصائل الجهادية المتشددة في سوريا، وتبييض دور الوكالة هناك يكاد يرقى إلى مستوى الدجل، ويفسد كل جهد فريق العمل الممتاز في نقد عملياتها وأدوارها التخريبية.
يقع محطة برلين في الفخ مرة أخرى عند تعاطيه مع مسألة علاقة وكالة الاستخبارات الأمريكية بالموساد الإسرائيلي – من خلال تلاعب جاسوسة الموساد “غولدا فريدمان” بالعميل الأمريكي روبرت كيرش -. يقدم العمل تلك العلاقة تحالفاً استراتيجياً معقداً ومليئاً بالخيانات كعلاقة تنافسية مهنية متجنباً ملامسة الحقيقة المزعجة لعمليات التجسس الإسرائيلية العدوانية والممنهجة ضد حليفها الأمريكي – لعل أشهرها حكاية الجاسوس جوناثان بولارد، محلل الاستخبارات اليهودي في البحرية الأمريكية الذي سرق كميات هائلة من الوثائق السرية لصالح إسرائيل في واحدة من أكبر خروقات الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة. -.
مرثية لنظام يدمر نفسه
محطة برلين ليس مجرد مسلسل تجسس جيد، بل مرثية لعالم ما بعد 11 سبتمبر، عالم كشفت فيه الولايات المتحدة بشكل سافر عن سقوطها الأخلاقي وتكرس وضع الدّولة فيها كخادمة لنخبتها المتنفذة وآلتها الأمنية والعسكرية. إنه صورة دواخل العمل في جهاز استخباراتي أصبح وجوده بحد ذاته عاملاً مزعزعاً للاستقرار العالمي: لا يحل الأزمات بقدر ما يخلقها، ويستخدم تلك الأزمات لتبرير وجوده، وميزانيته المتضخمة، وكغطاء لتمديد الهيمنة.
ربما لم تكن الغاية من انتاج عمل فني مثل هذا المسلسل تقديم نقد صريح لوكالة الاستخبارات المركزية، لكن محطة برلين من خلال التزامه بالواقعية القاتمة، وتنقيبه في دواخل شخصيات جواسيسها المعقدة والمحطمة، وفضحه للسياسات الداخلية والمصالح الذاتية التي تحرك عملها، فإنه يقدّم، بأدوات الدراما، واحدة من أقوى الإدانات الممكنة للإمبريالية الأمريكية تحت سقوف المواد التي يسمح بعرضها في الغرب.
———————–
تريلر المسلسل
– لندن
2025-08-18