قمة ألاسكا: مصير أوكرانيا على جليد هش!
تتجه الأنظار إلى أنكوريج في أقصى شمال العالم حيث يسعى ترامب لعقد صفقة شخصية مع بوتين تنهي حرب أوكرانيا، فيما يتوجس الأوروبيون والأوكران من تسوية تتم على حسابهما.

سعيد محمد*
تتجه أنظار العالم غداً الجمعة إلى أنكوريج، في ولاية ألاسكا، حيث اكتملت الاستعدادات لقمة ثنائية طارئة تجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في أحدث محاولة للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب في أوكرانيا. وبينما يلوّح ترامب بـ “عواقب وخيمة جداً” إذا رفض بوتين وقف القتال، يسود قلق عميق في العواصم الأوروبية وكييف من أن هذه القمة، التي تم ترتيبها على عجل وبغياب الخبراء وبمعزل عن الحلفاء الرئيسيين، قد تتحول إلى “يالطا جديدة” – تربط يالطا في الذاكرة السياسية بتقسيم العالم بين القوى الكبرى إشارة إلى قمة 1945 التي جمعت ستالين وروزفلت وتشرشل (بريطانيا) لمناقشة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية -، يبرم فيها مصير أوكرانيا، ومستقبل أمن أوروبا كلها دون حضورهما.
وتأتي القمة في لحظة تقاطع حرجة، حيث يتبنى الرئيس الأمريكي نهجاً دبلوماسياً شخصياً ومتقلباً، ويواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أزمات داخلية وعسكرية خانقة، بينما يحقق الجيش الروسي تقدماً بطيئاً لكن مضطرداً على الأرض ويجد القادة الأوروبيون أنفسهم محشورين في دائرة انعدام التأثير، ويكاد دورهم يقتصر على الجعجعة بشروط انتصار موهوم للغرب.
من وجهة نظر الإدارة الجمهورية في البيت الأبيض، تمثل القمة فرصة لإثبات فعالية أسلوب الرئيس القائم على عقد الصفقات الشخصية. فبعد أشهر من التعبير عن الإحباط من استمرار الحرب، يعتقد ترامب أن لقاءً وجهاً لوجه مع بوتين قد يكسر الجمود. وقد صرح للصحفيين بأنه سيعرف “في أول دقيقتين” ما إذا كان التوصل إلى اتفاق ممكناً، واصفاً الاجتماع تارة بأنه “جلسة استكشافية”، وتارة أخرى مهدداً بعواقب لم يحددها إذا لم يحصل على ما يريد.
وتتلخص رؤية الرئيس الأمريكي في أن استمرار الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا عبء يجب التخلص منه، وأن الحل يكمن في جلوس الأطراف المتصارعة على طاولة المفاوضات، حتى لو كان الثمن تنازلات مؤلمة. وهو لا يرى في بوتين العدو الذي يتحدث عنه الكثيرون في الغرب، بل يعتبره لاعباً براغماتياً يمكن التوصل معه إلى تفاهمات. وفي حساباته الذاتية، فإن تحقيق السلام، حتى لو كان منقوصاً، سيقدمه للناخب الأمريكي كـ “صانع سلام” قوي، على نقيض الإدارات السابقة التي اتهمها بإطالة أمد الصراعات.
على أنّ هذا النهج يثير قلقاً بالغاً في دوائر السياسة الخارجية التقليدية في واشنطن. فالقمة تفتقر إلى التحضير الدبلوماسي المعتاد الذي يقوده مجلس الأمن القومي، بل وشهد المجلس ووزارة الخارجية موجة من عمليات التسريح والاستقالات التي أفرغت الإدارة من المتخصصين في الشأن الروسي والأوكراني. ويقود المفاوضات من الجانب الأمريكي شخصيات مثل ستيف ويتكوف، سمسار العقارات المفتقر للخبرة في السياسة الخارجية، ما يترك ترامب معزولاً عن المشورة المتخصصة في مواجهة مفاوض مخضرم مثل بوتين.
ويشير دبلوماسيون سابقون إلى أن الرئيس الروسيّ، المعروف بتمكنه من التفاصيل وقدرته على استغلال نقاط ضعف محاوريه، قد يجد في ترامب خصماً سهل الإقناع. وتزيد من هذه المخاوف سابقة قمة هلسنكي عام 2018، حين بدا أنه يتبنى رواية بوتين بشأن عدم تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية على نقيض استنتاجات أجهزته الاستخباراتية – ثبت لاحقاً أنها استنتاجات مسيسة ولا أساس لها من الصحة -. ويزعم الساسة الديمقراطيون في واشنطن أن الجمع بين حاجة وشهيّة ترامب لتحقيق “نصر” دبلوماسي سريع تزامناً مع فراغ الخبرة المحيط به يخلق وصفة مثالية لمخاطرة كبرى قد تكون نتائجها عكسية على المصالح الأمريكية والأوكرانية.
من الجانب الآخر، يدخل فلاديمير بوتين القمة في موقع قوة تكتيكي. فالرئيس الروسي ليس يائساً لإنهاء الحرب، بل يريد حسمها سلماً أو حرباً وفق شروطه التي تضمن له مكاسب استراتيجية دائمة. ولعل هدفه الأول من قبول المشاركة في القمة كسر العزلة الدولية التي فُرضت على روسيا، والظهور بمظهر الند للرئيس الأمريكي، متجاوزاً بذلك أوروبا وأوكرانيا. ويبدو أن عقد القمة على أرض أمريكية يعد بالفعل وبغض النظر عن نتائجها انتصاراً دعائياً بالنسبة لموسكو.
ويقدّر الخبراء بأن بوتين سيسعى إلى تثبيت مكاسبه العسكرية على الأرض. إذ يسيطر الجيش الروسيّ على مساحات واسعة من شرق وجنوب أوكرانيا، وأي اتفاق يجمّد خطوط التماس الحالية، أو يعترف بـ “الواقع على الأرض”، سيكون بمثابة إعلان نصر للكرملين. وسيهدف إلى الحصول من ترامب على ضمانات أمنية طويلة الأمد، وعلى رأسها حياد أوكرانيا ومنع انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يعتبر توسعه شرقاً تهديداً وجودياً لروسيا.
ومن المرجح أن استراتيجية بوتين التفاوضية ستتركز على محاولة تقديم صفقة ترضى غرور ترامب. وتشير تسريبات عشية القمة إلى أن موسكو طرحت أفكاراً مثل “تبادل الأراضي” ووقف إطلاق النار مقابل انسحاب القوات الأوكرانية بالكامل من منطقة دونيتسك الشرقية. وبذلك سيحاول بوتين تصوير نفسه على أنه الطرف الراغب في السلام، وأن نظام الرئيس فولوديمير زيلينسكي هو العقبة أمام فرص التسوية بسبب “تشدده” ورفضه تقديم تنازلات. ويأمل بوتين أن يضع ملف أوكرانيا ضمن سلة تشمل مسائل اقتصادية واستثمارية ودبلوماسية عدة بحيث يمكن إغواء ترامب بصفقة يمكن فرض خلاصتها الأوكرانية لاحقاً على كييف، أو على الأقل دق إسفين بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين من بوابة فرص الاستثمار والتعاون الروسي- الأمريكي في التجارة وإدارة الموارد.
في برلين وباريس ولندن، أثارت القمة المرتقبة حالة من الاستنفار الدبلوماسي. حيث يخشى القادة الأوروبيون من صفقة متسرعة تتجاهل مصالح أوكرانيا وأمن القارة ككل. وقد سارع المستشار الألماني فريدريش ميرتز، بالتعاون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة آخرين، إلى تنظيم مكالمة فيديو عاجلة مع ترامب قبل القمة في محاولة لتوحيد الموقف ووضع “خطوط حمراء”.
ووفقاً لمصادر أوروبية، فقد تم التأكيد في المكالمة على مطالبات يراها الأوروبيون أساسية بما في ذلك أولوية وقف شامل للقتال قبل مناقشة أيّة تسوية سياسية، وعدم اتخاذ قرارات مصيرية بشأن أوكرانيا في غيابها، وأن يظل أي تفاهم حول “تبادل الأراضي” قراراً سيادياً أوكرانياً بحتاً على أن يتضمن أي اتفاق سلام دائم ضمانات أمنية لأوكرانيا، مع عدم إغلاق الباب أمام طموحاتها المستقبلية في الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي. وكخط رجعة في حال فشل المفاوضات بسبب “تعنت بوتين” يريد الأوروبيون أن تعمل الولايات المتحدة وأوروبا على تكثيف العقوبات لخنق روسيا اقتصادياً، بما في ذلك فرض عقوبات ثانوية على الشركاء التجاريين الرئيسيين لموسكو.
وعلى الرغم من أن ترامب وصف المكالمة مع الزعماء الأوروبيين بال”جيدة جداً و 10/10″، وإعلانه رغبته في أن يتبع قمة ألاسكا لقاء ثلاثي يجمعه مع بوتين وزيلينسكي، مع التلويح ب”عقوبات وخيمة” إن لم يوافق الرئيس الروسي على وقف الحرب، إلا أن القلق في برلين وباريس ولندن لا يزال قائماً، إذ يعي الأوروبيون أن الرئيس الأمريكي قد يغير موقفه سريعاً بمجرد أن يكون في غرفة واحدة مع بوتين، فيما موقفهم ضعيف نسبياً، وهم يدركون أن قدرتهم على اسناد أوكرانيا عسكرياً ومالياً محدودة للغاية حال قررت واشنطن تغيير مسارها، ورهانهم يعتمد كليّة على حسن نية ترامب والتزامه بوعوده السائلة لهم.
أما بالنسبة لزيلينسكي، فتأتي القمة في “أحلك ساعة” على حد وصف نيويورك تايمز. فالرئيس الأوكراني يواجه ضغوطاً هائلة على جبهتين: عسكرياً، حيث تحقق القوات الروسية مكاسب بطيئة ولكن ثابتة على خطوط دفاعه المنهكة؛ وسياسياً، حيث تراجعت شعبيته محلياً بعد أزمة تتعلق بمحاولاته للحد من استقلالية هيئات مكافحة الفساد، وبدا حينها أن الأمريكيين قد لا يمانعون في رحيله عن السلطة.
السيناريو الكابوسي لكييف أن يتم إجبارها على الاختيار بين أمرين: إما قبول صفقة غير عادلة وغير مستدامة تفرض عليها التنازل عن أراضٍ وسيادة، أو رفض الصفقة ومواجهة غضب إدارة ترامب التي قد تعاقبها بوقف المساعدات العسكرية والاستخباراتية التي لا يمكن عملياً للجيش الأوكراني الاستمرار بالقتال من دونها.
ويحاول زيلينسكي، مستعيناً بالدعم الأوروبي، التأثير على ترامب من خلال التحذير المسبق من “مخاتلة” بوتين الذي – وفق زيلينسكي دائماً – سيحاول التقليل من تأثير العقوبات الغربية على روسيا، والتأكيد على أن موسكو لا ترغب بتحقيق السلام بقدر ما تسعى لتفكيك أوكرانيا بالكامل ونزع سيادتها. كما يكرر خطوطه الحمراء بأن الدستور الأوكراني يمنعه من التنازل عن الأراضي، وأن أي اتفاق يجب أن يحظى بموافقة البرلمان والشعب، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الرفض الشعبي والعسكري الواسع لأي تنازلات إقليمية.
سيحدد نجاح هذه القمة – أو فشلها – ليس مصير أوكرانيا فحسب، بل أيضاً مستقبل التحالف عبر الأطلسي، وربما شكل النظام العالمي لعقود قادمة. ولعل التحدي – والفرصة في ذات الآن – الذي يواجه الزعيمين يكمن في جسر الهوة السحيقة بين تصوراتهما للتسوية. فترامب يريد حلاً سريعاً يريحه من “العبء الأوكراني”، بينما يسعى بوتين إلى إعادة تعريف النظام الأمني في أوروبا بما يحفظ مصالح روسيا. وفي المدرجات عن بعد، تقف أوكرانيا وأوروبا، بلا حول ولا قوة، يتغشاهما القلق من أن يأتي نجاح القمة على حسابهما.
– لندن
2025-08-15
تعليق واحد
المجد للتأني
لننتظر ونرى وسيبان من خلال المؤتمر الصحفي بعد نهاية اللقاء