لم يكن عبدالناصر (صوفيا ) ولكنه كان متصالحا مع الطرق الصوفية ! (في ذكرى ثورته ) !
بقلم د. رفعت سيدأحمد
* في الذكري الثالثة والسبعين لثورة يوليو 1952 التي نحتفل بها هذة الايام ..ثمة جوانب عديدة تستحق التذكر وإعادة الاهتمام وكشف اللثام عنها لما تحمله من دروس وعبر تتصل بحاضر الامة ومستقبلها ولانها هامة ومتميزة فإنها لاتموت أبدا ..بل تنضج وتنمو بمرور الزمان وتتأصل معانيها ..هكذا كانت تجربة ثورة يوليو وقائدها الرمز القومي الراحل والذي يزداد تألقا كلما بعدنا عن أحداث ثورته : الزعيم جمال عبدالناصر !
******** *
ومن جوانب عظمة تجربة يوليو ..علاقة الثورة وعبدالناصر بالطرق الصوفية ورغم أن عبدالناصر لم يكن أبدا (صوفيا ) ولكنه كان متصالحا ومرحبا بالطرق الصوفية وهذا هو المهم اليوم (2025) ووسط صعود الدواعش وتنظيمات العنف الديني في المنطقة والكارهة بالتربية والتلقين والتاريخ للطرق الصوفية وطبعا لعبدالناصر القومي الشريف في حياته وحكمه !
******
يحدثنا التاريخ أنه يمكن تلمس أبعاد العلاقة بين النظام السياسى الناصرى والطرق الصوفية من خلال مستويين من التحليل .
الأول : فكرى ويحدد مدركات الطرق الصوفية تجاه القضايا السياسية الملحة فى هذه الفترة(1952-1970) والتى تحدد بالتالى موقفهم الفكرى أو النظرى المساند وبقوة للنظام السياسى .
الثانى : عملى ويشير إلى المواقف العملية للطرق الصوفية خلال هذه الفترة تجاه القضايا والأزمات السياسية وقتها وبخاصة بعد نكسة 1967 وعلي صعيد المستوي الفكري .
– نستطيع تلمس أبعاده من خلال حقيقة ناصعة وهي أن الطرق الصوفية كان لها دائما موقفا مؤيدا للنظام السياسى الناصرى تجاه أغلب هذه القضايا ، وإن بدا فى بعض الفترات القليلة أن للطرق الصوفية موقفها المخالف لتوجهات النظام فإن هذا لا يخفى التوجه العام الذى ميز رؤيتهم ، فالاشتراكية تمثل لديهم : ” نوعاً من السمو بكرامة المواطنين جميعاً ، ولقد وجهت الجمهورية العربية شطراً من عنايتها لتقريب المسافات بين غنيهم وفقيرهم ، حتى يكون الجميع سواء فى حق الحياة ……. الناحية فى الرعية (محمد خلف الله أحمد : الخطوط الكبرى للنهضة الإسلامية ، مجلة الإسلام والتصوف سبتمبر 1961 (مجلة شهرية كانت تصدر عن مشيخة الطرق الصوفية – القاهرة) ص ص 16 – 17 ) .
وعبدالناصر لديهم هو : ” قائد البعث العربى وموجه تاريخنا ، ومحرر الشعب العربى من إسار المواريث الرجعية ومن قيود الطبقية والاستغلالية وهو الذى وقف ليعلن حق الإنسان فى حياة فاضلة ، ( محمد علوان –مجلة الاسلام والتصوف – المصدر السابق ص54 .
وتصل قيمة العدل لدى الطرق الصوفية إلى قمتها عندما يصبح هو جوهر الرسالة الإسلامية وهو مفتاح السعادة للبشر ( عبد المنصف محمود عبد الفتاح : العدل مفتاح السعادة ، مجلة الإسلام والتصوف (نوفمبر 1960) ص ص 57 – 60 . )
..
أما بالنسبة للقضايا الخارجية فقد كان للطرق الصوفية رؤيتها تجاه بعض القضايا التى عاشتها مصر إبان الفترة (1952 – 1970) ، وكانت قضية القومية العربية من أهم القضايا التى شغلت القوى الدينية والسياسية على اختلافها ، وكان للطرق الصوفية رؤيتها تجاه هذه القضية حيث يقول شيخها أنئذ محمد محمود علوان :في مقال يحمل عنوان القرآن ووجوب العناية به : مجلة الإسلام والتصوف (ديسمبر 1960)
: ” العروبة التى ننادى بها ليست حركة جنس أو لون إنما حركة بعث لأمة كبرى تحتل أخطر منطقة فى الكوكب الأرضى وتمثل أرضها قلب العالم النابض)
وكان للطرق الصوفية موقفها الفكرى أيضاً تجاه قضايا المواجهة ضد العدوان الخارجى وتبدى هذا فى إعلانها على لسان شيخ مشايخ الطرق الصوفية إبان العدوان الثلاثى على مصر بأن : ” اليوم الأمة العربية تدوى من حولها العواصف ويتربص بها جبابرة عتاة بغاة فيا أيها المتصوفة فى كل مكان ، إن عبادة الله لا تستقيم ميزانها إلا بالجهاد فى سبيل الله ، فى سبيل خير أمتكم ، ورفاهية شعبكم وحماية وطنكم ” (محمد محمود علوان : الروح الصوفى هو السلاح السرى للعالم الإسلامى ، مجلة الإسلام والتصوف ، (يوليو 1958) ص5
********.
أما علي المستوى العملى
: فى سبتمبر 1959 وجه الشيخ / محمد محمود علوان شيخ مشايخ الطرق الصوفية بياناً إلى الأمة العربية قال فيه ” إن معركة القومية العربية الدائرة الرحى الآن فى العراق ليست معركة العراق وحده بل هى معركة العالم العربى كافة وندد بالنكسة الرجعية وحمامات الدم ، وأكد أنها تشكل خطراً على الكيان العربى كله وعلى مقدساته وعقائده وميراثه الروحى العالمى (الأهرام بتاريخ 24/9/1959) ،
وإبان أحداث الصدام بين النظام السياسى والإخوان المسلمين عام 1965 ، كانت الطرق الصوفية إلى جانب النظام ، حيث أصدر الشيخ محمد محمود علوان بياناً فى مولد الإمام الرفاعى أعلن فيه أن رسالة التصوف هى الدعوة إلى الأمن والسلام ومحاربة أساليب العنف والإرهاب وأن الإسلام حرم التآمر فى الخفاء والمفاجأة بالإثم والعدوان (الأهرام بتاريخ 1/10/1965 ) وقبل الاحتفالات بأعياد الثورة كان للطرق الصوفية موقفها أيضاً حين أصدر شيخها أمراً ينوه فيه حول ضرورة أن يكون الاحتفال مهيباً ويتفق وجلال المناسبة الأهرام بتاريخ 23/7/1966 (الأهرام بتاريخ 23/11/1966…وقس علي ذلك عشرات المواقف للطرق الصوفية في تأدييد النظام الناصري وبإقتناع كامل ) .
**********
وفى ديسمبر 1967 سار أكبر موكب صوفى رسمى فى مصر تأييداً للقيادة السياسية فى أعقاب هزيمة 1967 مما يؤكد على استمرارية دورها القديم فى تأييد النظام السياسى ، وخاصة فى أوقات الأزمات السياسية الداخلية أو الخارجية. .
******* *
وهذا في تقديرنا هو دور الاسلام والايمان المعتدل السمح الذي أسسته _ولاتزال _ الطرق الصوفية ..و الذي يدرك أهمية وجود الدولة وبقاء جيشها الوطني ..وليس هدمها وتقويض قوتها العسكرية كما ذهبت تنظيمات الغلو من الاخوان الي القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات التي أضرت بالاسلام قبل أن تضر بالدول وهو عين ما أدركه عبدالناصر لدور الطرق الصوفية الدائم والمهم رغم أنه لم يكن ( صوفيا ) ولكنه كان مثلنا جميعا محبا لها وعالما بدورها العظيم في بناء الدولة المصرية وحمايتها .وهذا هوالمعيار للايمان الحقيقي ..والله أعلم .
2025-07-24