قمة أوروبا / الصين:
فرصة لإعادة ضبط العلاقات عند مفترق طرق ترامب
تستضيف العاصمة بكين هذا الاسبوع القمة الخامسة والعشرين بين الاتحاد الأوروبي والصين، في لحظة مشحونة بالتحديات الجيوسياسية وحروب التجارة والتحولات الاقتصادية الكبرى
سعيد محمد*
في الرابع والعشرين من يوليو / تموز الجاري (الخميس) تلتئم في العاصمة الصينية بكين القمة الخامسة والعشرون بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية الصين الشعبيّة عشية الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، لكن اللقاءات، التي بحسب رويترز سيحضر الزعيم الصيني شي جين بينغ افتتاحها فحسب فيما لم تتأكد مشاركته في كامل الحوارات، تنعقد في ظل أجواء من انعدام الثقة، وتباعد استراتيجي بين أوروبا تبحث عن بدائل لعلاقة مضطربة مع الولايات المتحدة في العهد الترامبي، وصين تتحفز لتكريس موقعها في نظام عالمي جديد قيد التشكل.
وبحسب ما أشارت إليه مصادر بروكسيل (عاصمة الاتحاد الأوروبي)، فإن الوفد الأوروبي إلى بكين سيضم أنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي، و أرسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبيّة، وكاجا كالاس الممثلة العليا في الاتحاد، فيما سيقود الجانب الصيني لي تشيانغ رئيس مجلس الدولة (المعادل لمنصب رئيس مجلس الوزراء).
أوروبياً، تأتي القمة في وقت شديد الحساسية، بعد أن وجدت القارة القديمة نفسها محشورة بين ثلاث قوى كبرى تتسم علاقاتها بها بالاضطراب لأسباب متفاوتة: روسيا، الولايات المتحدة، والصين. لكن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض – ببرنامجه الانعزالي الأحادي ونزعته إلى تفكيك النظام الدولي القائم – فرضت على بروكسيل أن تعيد النظر في منهجية صياغة تموضعاتها بشكل جذري خلال المرحلة المقبلة.
فبعد اختيار النخب الليبرالية الأوروبية مربع العداء التناحري مع روسيا، وأمام انسحاب واشنطن من صيغة الرعاية الدافئة لحلفائها على الجانب الآخر من الأطلسي وتوظيفها للرسوم الجمركية والعقوبات كأدوات لابتزازهم تجارياً، تجد أوروبا نفسها بحكم الواقع الموضوعي مدفوعة نحو آسيا، وتحديداً نحو بكين، بحثاً عن شراكات استراتيجية تعوّضها عن خسائرها على الجهتين الأخرتين. على أن انفتاحاً أوروبياً على الصين لن يكون رحلة سهلة، ولن يخلو من التناقضات، ويفتقد إلى موقف موحّد بين الدول ال 27 الأعضاء في الاتحاد. فالنخب الأوروبيّة لا تريد التنازل عمّا تسميه “القيم الغربية”، ولا تقدر على القطيعة الكاملة مع واشنطن، لكنها مضطرة، للبقاء ذات صلة بما يجري من تحولات، إلى كسر طوق الهيمنة (التجاريّة) الأميركية، ومد اليد إلى الصين، لا سيما في ملف التجارة، والمواد الأولية النادرة – التي تمتلك الصين أهم مخزوناتها العالمية -.
اتسمت مقاربة الاتحاد الأوروبي للعلاقة مع الصين في العقد الأخير بكثير من التعقيد مع ميل إلى العداء تناغماً مع السياسات الأمريكيّة. وفي وثيقة بروكسيل (الاتحاد الأوروبي/ الصين: نظرة استراتيجية – 2019) وُصفت بكين بأنها “شريك تجاري، ومنافس اقتصادي، ونقيض على مستوى النظام السياسي (أي الديمقراطية الليبرالية وفق النهج الغربي) “. ولاحقاً توقفت المصادقة على اتفاق الاستثمار الشامل بين الجانبين بعد فرض عقوبات أوروبية على الصين بسبب ملف (الإيغور)، وتزايدت الاتهامات الأوروبية بشأن ممارسات تجارية غير عادلة للصين من دعم حكومي، إلى غلق الأسواق، و(إغراق) أوروبا بالسيارات الكهربائية المنتجة بتسهيلات حكومية.
في المقابل، تنظر بكين إلى بروكسيل ككتلة قوة متوسطة تُبالغ في انتقاداتها للنظام الصيني، وتُظهر تبعية متزايدة للولايات المتحدة – خصوصاً عبر تورط بعض الدول الأوروبية في الجهود الاستراتيجية الأميركية للسيطرة على المحيط الهادئ -، كما مواقفها السلبية تجاه مطالبة بكين التاريخية بتوحيد الصين من خلال استعادة آخر الأقاليم خارج السيطرة: تايوان.
ومع ذلك، فإن القيادة الصينية ورغم مناخ تآكل الثقة المتبادل تظل منفتحة فيما يبدو على دعوات إعادة تعريف العلاقة على أساس المصالح المتبادلة أساساً، وليس الأيديولوجيا أو الانحيازات الجيوسياسية.
وفي ساحة المصالح حصراً، فإن بروكسيل تعاني من ميزان تجاري يميل بشكل كبير لمصلحة بكين مع عجز سنوي يصل إلى حدود 400 مليار يورو. وتهيمن شركات صينية على قطاعات استراتيجية – من المعادن النادرة إلى السيارات الكهربائية – بينما تواجه الشركات الأوروبية قيوداً صارمة وتعقيدات في النفاذ إلى السوق الصينية.
وقد أدت هذه الاختلالات البنيوية – من منظور الأوروبيين دائماً – إلى تصاعد مطالب داخل الاتحاد باتخاذ إجراءات حمائية، من فرض رسوم جمركية اضافيّة على السيارات الصينية، إلى إنشاء آلية مراقبة للواردات من الصين، بهدف إلى تتبع تدفقات السلع الصينية وفرض تدابير مضادة عندما تستدعي الحاجة.
القضية الأخرى التي ستحتل حيزاً مهماً في دبلوماسية المصالح هو ملف المعادن النادرة، التي تعتمد القارة بنسبة 98% على الصين للحصول عليها. وهذه المعادن ضرورية لصناعات التكنولوجيا الخضراء، والرقائق الاليكترونيّة، والمعدات الطبية. وبعد أن فرضت بكين قيوداً على تصديرها العام الماضي، انخفضت الكميات المتجهة منها إلى دول الاتحاد بنسبة 84%، ما تسبب باضطرابات حادة في سلاسل الإمداد الأوروبية.
بروكسيل رأت في هذه الخطوة “ابتزازاً” اقتصادياً، وطالبت بكين بالتوافق على آليات تعاون شفافة تضمن الوصول إلى هذه المواد دون شروط سياسية. لكن بكين بررت إجراءاتها باعتبارات تتعلق بالأمن القومي، واتهمت أوروبا بممارسة “حمائية مموّهة” عبر تبني آليات تدقيق متعسّفة واستبعاد الشركات الصينية من القطاعات الحيوية.
لكن وعلى الرغم كل هذا التوتر، فإن ثمة مجالات يمكن أن تشكل منطلقاً لتقارب مشروط بين الطرفين. فالاتحاد الأوروبي، الساعي للوصول إلى الحياد الكربوني وتخفيض الاعتماد على الطاقة الأحفوريّة، لا يمكنه الاستغناء عن المنتجات الصينية في مجال الطاقة المتجددة: كالألواح الشمسية، البطاريات، التوربينات، والمواد الأولية. بل إن شركات صينية، مثل BYD ، تُنتج سيارات كهربائية بمواصفات متقدمة وأسعار مغرية، وتبني مصانعها في قلب أوروبا (مثل هنغاريا)، ما يطرح مخرجاً يكسر معضلة حماية الصناعة الأوروبية من “الإغراق”، وفي الوقت نفسه، اتاحة الفرصة للجمهور الأوروبي للاستفادة من مزيج الجودة الممتازة والتكلفة المعقولة للمنتجات الصينية.
على أن القمة لن تقتصر بطبيعة الحال على مسائل التجارة والتبادل الاقتصادي، بل ستحمل فرصة نادرة للغوص في بعد جيوسياسي أعمق، في وقت يشهد فيه العالم مرحلة انحدار النظام الليبرالي التقليدي وتقلص فعالية المؤسسات الدولية – من الأمم المتحدة إلى منظمة التجارة، -، وتراجع التعددية وسط تصاعد النزاعات التي تقسم العالم. ولذلك فإن بروكسيل ستحاول إقناع الصين بأن تكون طرفاً فاعلًا في إصلاح النظام الدولي المتعدد الأطراف، بدلًا من تقويضه أو السعي إلى استبداله. وفي هذا السياق، قد تقترح قنوات مستجدة للتعاون تعيد إحياء بعض عناصر اتفاق الاستثمار المجمد، وتوسّع مساحة الحوار ليشمل ملفات عابرة للحدود كما المناخ، والحوكمة التكنولوجية، وتحديد المعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
ومن المؤكد أن ملف الحرب الأوكرانية سيطرح على طاولة القمة أيضاً. فالاتحاد الأوروبي الذي يتهم الصين بالانحياز إلى روسيا عبر مشتريات الطاقة والصادرات ذات الاستخدام المزدوج، سيحاول الضغط لإقناع الصين بلعب دور أكثر توازناً، لكن بالطبع دون أوهام كبيرة، إذ ليس سراً أن ابكين تدعم موسكو كجزء من خياراتها الاستراتيجية في إدارة الصراع مع واشنطن، وكأداة ضغط على أوروبا.
الخبراء لا يتوقعون اختراقاً كبيراً في بكين. فحتى شكل القمة – تقليصها ليوم واحد، ونقلها من بروكسيل إلى العاصمة الصينية – يعكس تراجع سقف التوقعات، وربما أيضاً استعراض قوة صيني محسوب. لكن القمة تبقى فرصة ضرورية للطرفين على مفترض طرق فرضته تكتيكات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: أوروبا لاستعادة توازنها من عداء موسكو وجفاء واشنطن معاً، والصين لتفادي العزلة الكاملة والانزلاق نحو مواجهة مع الغرب بأكمله.
لندن
2025-07-23