الباطنية في السياسة!
اضحوي جفال محمد*
المؤيدون للجولاني في مجتمعنا نصبوا أمام أقواله وقراراته جهاز فلترة، لتخرج كما يريدون هم لا كما يريد هو من تلك الاقوال والقرارات. والسؤال المركزي: ما الدافع وراء تحريف حقيقة الرجل؟ انها الإفراز الطبيعي لحالة التخلف في المجتمع، والتي يلمسها كل منّا باستمرار. فأنا وضمن نشاطي على الفيس أجد كثيرين يقولون لماذا تكتب عن هذا الموضوع ولا تكتب عن ذاك! او لماذا رأيك يميل لفلان وليس لفلان! حتى ان بعضهم على درجة من التذاكي يشكرني على الأفكار الواردة في المنشور ثم بعد الشكر يستطرد لاعادة صياغتها بما يود، ويختم بإزجاء تحية رائقة لي كرشوة تمنعني من التعليق على الفلترة التي أحدثها لفكرتي.
بغض النظر عن الدوافع والأهداف والأسباب فإن لكل شخص في هذا الوجود آراءه ومواقفه، توافقه او تخالفه أمر طبيعي، أما أن تحاول تشويه تلك الآراء والمواقف فنابع من حالة تشوّه داخل نفس هؤلاء الذين وضعوا على عيونهم نظارات بلون صارخ وبدأوا يرون كل شيء صارخاً.
الجولاني يقول باستمرار ان اسرائيل ليست عدواً له، وانه يعمل على السلام معها، وبدأ التفاوض غير المباشر ثم المباشر وصولاً إلى قوله انها حليف ضد عدو مشترك وهو المقاومة. فلماذا يجد عشاقه غصة في تجرّع تلك الاقوال والمواقف ويحاولون تلطيفها مرةً وإنكارها مرة؟ هل تشعرون انها معيبة؟ الخلل بكم وليس به، فهو لا يراها معيبة، والا لما فعلها او تفوّه بها. بعضهم يعتقد أن الجولاني مخلص وصادق لكن الظروف تجبره على تلك المواقف، أي انها لا تعبّر عما في نفسه، لذا وجب التغاضي عنها وعدم التوقف عندها، وهذا هو التفسير الباطني للأمور بزعم الاطلاع على ما في الصدور.
لا يوجد إلا عند فطاحلنا دراسة الشأن السياسي على اساس نوايا مفترضة داخل الوجدان. فتلك متاهة وعبث، إذ ان افتراضك أشياء في سر هذا السياسي او غيره تبيح لآخرين افتراض عكسها. السياسة قرارات ومواقف وتصريحات، فما قيمة ان يكون عباس محباً لشعبه بينما يعمل هو واجهزته بإمرة الموساد؟ ثم كيف نثبت انه يحب الفلسطينيين في السر بينما ينكل بهم في العلن.
القول بأن الجولاني قال ما قال استرضاءً للأمريكان كي تُرفع عنه العقوبات. نعم هو يقدم تنازلات من اجل رفع العقوبات، هذا معروف ولا يدخل في موضوع المنشور وسنفرد له منشوراً منفصلاً. والسؤال الذي يعنينا الان لماذا اعلن تلك المواقف على الملأ؟ أليست القنوات الدبلوماسية مفتوحة على مصراعيها بينه وبين الأمريكان والاسرائيليين! ولا بد ان التنسيق تعدى ذلك بمراحل، فلماذا يقولها للإعلام؟ اي خبَل ان يتحدث السياسي للإعلام ويرجو من جمهوره عدم تداول أحاديثه! ذاك آخر اكتشافات العقل المتبلد عندنا. الجولاني يعني ما يقول، والذي لا يريدكم ان تنشروه لا يقوله أصلاً. ففي الإعلان الدستوري، الذي يمثل فلسفة ومنهاج وتوجهات الحكم القائم، لم ترد لفظة (انتخابات) او (ديمقراطية) على الاطلاق. وكان بوسعه إيرادها مرة او مرتين في الوثيقة ليمنحكم مادة تواجهون بها المشككين، لكنه لم يفعل لأنه ببساطة يعني ما يقول. وما ترونه انتم غير مستساغ، كالتحالف مع اسرائيل، هو يراه مستساغاً ومقبولاً وهو المسار الذي يتّبعه بثبات. فإن كنتم تحبونه عليكم ان تسألوا أنفسكم هل تحبونه كشخص ام كسياسي! هل انتم معجبون بلحيته ورباطه مثلاً ام بفكره ومواقفه؟ انتم احرار لكن وفي كل الاحوال عليكم النظر اليه كما هو لا كما تتمنون ان يكون. وهناك منشورات ستكتبها الايام القادمة، فتنبئكم بما كنتم فيه تختلفون.
( اضحوي _ 2185 )
2025-07-20