مؤسسة آفاق للدراسات والتدريب استضافته بعد سنتين من الغياب
المفكر الطيب برغوث و مشروع المنظومة السننية في المنظور البنّابي
علجية عيش
رسالة وجهها الدكتور الطيب برغوث إلى النخبة الجزائرية إن كانت على استعداد للوفاء لتراث مالك بن نبي وقراءة فكره وتمحيصه و تحويله إلى مشروع و تطبيقه في الحياة اليومية، و تأتي رسالته بعد دراسة دقيقة و عميقة لفكر مالك بن نبي و نظريته الحضارية، انتهى من خلالها إلى خلاصة أن حركة الحياة يحكمها قانون المدافعة و التجديد، حيث دعا إلى إعادة تأسيس المدرسة السُنَنِية الإسلامية، كاتجاه فكري ثقافي منهجي يركز على النظرة الشمولية التكاملية السننية الوظيفية في دراسة الظواهر الإجتماعية و هو الحلم الذي راود مالك بن نبي لتأسيس هذا المشروع السّنني الحضاري و وضع نظرية متكاملة في فلسفة التاريخ و الحضارة و استكمال ما بدأه ابن خلدون
عاد المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث لنشاطه الفكري بعد غياب دام سنتين بعد مرض أصابه من خلال ندوة علمية نظمتها مؤسسة آفاق للدراسات والتدريب ، بالتنسيق مع الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية بمقر المؤسسة، بحضور رئيس الكرسي العلمي العلامة عمار طالبي وأعضاء مكتبه ومنهم الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي ، وشهدت الندوة التي نشطها الدكتور عبد الحفيظ بورديم مشاركة قوية لباحثين أكاديميين ومهتمين بفكر مالك بن نبي و وسائل الإعلام، يقول الدكتور بوردين أن الندوة تهدف إلي إثبات أن الأمة العربية و الإسلامية هي أمّة حضارة و أن النكسات التي مرت بها هذه الأمة أو تمر بها اليوم ، إنما هي أوجاع الطريق و لكن الأمم الحية هي التي تعرف قدر علمائها و تعرف ذاتها و تحسن التخطيط لمستقبلها، وقد استرجع فيها الدكتور الطيب برغوت علاقته بالمفكر مالك بن نبي لما كان يلقي محاضرة بباتنة شرق الجزائر.
وقد جال الطيب برغوث وهو يسترجع أهم مرحلة بحياته تميزت بقراءة كتب مالك بن نبي منذ 1968 ، حيث أحالته إلى كتابات ابن خلدون وكتابات أخرى لمفكرين اهتموا بفلسفة التاريخ والحضارة، ومن خلال قراءته لفكر مالك بن نبي لاسيما ما تعلق بالمنظومة السننية، التي تعطي للإنسان المعلومات الشاملة حيث تمكنه من تفسير الكثير من الظواهر، مقدما فلسطين كنموذج و ما يحدث من تقتيل في الأطفال والنساء ومن دمار ، و كيف يحدث ذلك ولن يحرك المسلمون ساكنا ، فالمنظومات السننية الجزائية حسب الطيب برغوث لا يمكنها تفسير هذه الظواهر التي تحدث في العالم، لأن المعطيات موزعة في ساحات مختلفة وبالتالي يصعب تفسيرها موضوعيا، والمعروف عن الدكتور الطيب برغوث أنه مفكرٌ جزائري، من مواليد 1951 برأس لعيون بمنطقة الأوراس (باتنة)، أكمل تعليمه بالجزائر، وشغل مناصب عديدة بوزارة الشؤون الدينية والتعليم العالي، له إصدارات عديدة تناول فيها المشكلة الثقافية و الحضارية، و منها كتابه الموسوم: “أفاق في الوعي السُّنَنِي” مستمدا فكرته من فلسفة مالك بن نبي الحضارية.
ومن خلال قراءاته لفكر مالك بن نبي، يتبين أن فكر هذا الرجل يمنح القارئ التوازن الفكري الذي يمنح بدوره للإنسان التوازن النفسي والرُّوحي والتوازن السلوكي في علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان، فكل فكرة غير مبنية على الثالوث (الأشخاص، الأشياء والأفكار) كما يقول الطيب برغوت هي فكرة ميتة، و يبدو أن الطيب برغوث وعي غرار كثير من المفكين العرب متأثر جدا بفكر مالك بن نبي ، حيث انتهى إلى خلاصة أن حركة الحياة في القرآن يحكمها قانون عام هو قانون المدافعة و التجديد، الذي يفسر كل الظواهر الموجودة ويحكم في حركة الأفراد، ويتطرق الطيب برغوث إلى أفكار أخرى كانت موضع اهتمام مالك بن نبي عندما تساءل إن كانت هناك إمكانية لتعزيز فعالية قانون المدافعة و التجديد في الفرد، و يستخلص الطيب برغوث أن التجديد ومعطياته إلى جانب قانون المدافعة كفيلان بتحقيق شروط النهضة، هي طبعا رؤية فلسفية أراد الطيب برغوث من خلالها أن يحدد أربع منظومات لرفع مستوى فعالية الدفع وقد حصرها في الوعي بكل أشكاله.
ما قاله الطيب برغوث هو أن المسلمين اليوم يتعرضون للاستبداد بسبب الجهل و لذلك هم يُقَزِّمُونَ أنفسهم ويسمحون لغيرهم أن يُشْعِرُوهم بالدونية، لأن هذه السُّنن مبعثرة وغير متكاملة وغير منفتحة على المجالات الأخرى، فواجبنا الأساسي يضيف الطبيب برغوث هو أن ننقل مكتسبات الحضارة الإسلامية ونعطي لمشروع المدرسة السننية الجزائرية أهمية، و لا يمكن إهمالها، و كانت للدكتور الطيب برغوث مناقشات حول مشكلة العالم الإسلامي استمدها من فكر مالك بن نبي لكنه تناولها بالشرح، حيث يقول أن أزمة العالم الإسلامي منذ زمن طويل لم تكن أزمة في الوسائل و الإمكانات و إنما في الأفكار الأصيلة و إن أدواءها القاتلة تكمن في عالم أفكارنا و من هنا تأتي أهمية دراسة تراث مالك بن نبي ، بالنسبة للمسلم المعاصر في أيّ موقع من مواقع المسؤولية الإجتماعية و خاصة الأجيال الجديدة سواء كانت من دعاة الإسلامية و التأصيل الحضاري أو من أنصار الحداثة أو التناسخ الحضاري.
ما لوحظ أن الطيب برغوث استعمل كثير من المفاهيم التي تحتاج إلى تحديد معانيها و موقعها في عالم الأفكار، خاصة بالنسبة لمفهوم ” التجديد” و قد استعمله كثيرا في كتابه ” آفاق في الوعي السنني” محورية البعد الثقافي في استراتيجية التجديد الحضاري، و قد تحفظ الدكتور الطيب برغوث في الرد على سؤالنا المتعلق بهذا المفهوم و من أيّ زاوية ينبغي معالجته، كون فكرة التجديد متشعبة، و استهلكت كثيرا في ساحة الفكر المعاصر, حدث صراع بين التراثيين والحداثيين إن كان مالك بن نبي يقصد بها التجديد الفكري، الحضاري، بمعنى أن الإنسان مطالب بتجديد أفكاره، و يعدلها و التجديد الفكري يعني بالضرورة الثقافي، الإقتصادي، الإجتماعي باعتبار أن التجديد عمل استراتيجي، كما له علاقة بتجديد النص الديني ( القرآن ) و إخضاعه للتحليل ، كذلك بالنسبة للمنظومة السننية و من أين استمدها مالك بن نبي و هو الذي عالج الظاهرة القرآنية .
من وجهة نظر الدكتور عمار طالبي رئيس الكرسي العلمي مالك بن نبي، فإن مالك بن نبي له منظومة فكرية شخّص فيها واقع الشعوب و فقدانها القيم الدينية و الحضارية، ففقدت إنسانيتها وانهارت متهما الإمبراطورية الأمريكية التي كانت و لا تزال وراء هذا الانهيار وعلى المسلمين أن يملؤوا هذا الفراغ بالقيم الحضارية و تصحيح مفاهيمهم ، مذكّرا بما ورد في القرآن عندما تحدث عن انهيار الإمبراطوريات و الأمم وسقوطها جعلها مالك بن نبي قانونا عاما، نلمس ذلك في “تأملاته” حيث انتهى الى أن الدورة الحضارية من جملة هذه المنظومات السننية ، فمالك بن نبي كما يقول الدكتور سعيد مولاي، باحث جامعي كانت له رؤية تحليلية ديكارتيه ( عقلانية) ،فقام بتفكيك هذا المنهج و تجزئته إلى عناصره الأولى ، مشيرا أن الظاهرة السننية هي أمّ العلوم ، و جميع العلوم مُعَرَّضَة للتغيير وتحتاج إلى منهج استقرائي للوصول إلى الكليات وتجاوز الجزئيات.
هي طبعا رؤى فكرية سُننية قدمها مختصون لا يفهمها سوى من درسوا الفلسفة و العلوم الإنسانية و الاجتماعية وحتى مقارنة الأديان وهم يتناولون الظاهرة القرآنية وما جاءت به الأديان والنواميس نوهي بحاجة إلى تبسيط أكثر لكي يفهمها العادي ، الذي لم يعد قادرا على فهم الكون أمام التطور السريع للتكنولوجية وما تشهده من تغيرات على كل الأصعدة والمستويات، بدأ الفرد بل المجتمع بالتخلي عمّا يراه معقدا خاصة ما تعلق بالماورائيات، وتراه يبحث عن كل ما هو جديد ليواكب التطور والحداثة، كمن يقلب صفحة و يفتح صفحة جديدة، ينظر منها إلى المستقبل و عدم العودة إلى الماضي البعيد و لهذا فقد اعتنى مالك بن نبي بمسألة الثقافة و هو يضع نظريته الحضارية المبنية على العوالم الثلاثة ( الأفكار، الأشخاص و الأشياء) ، و نظرته إلى الحق و الواجب باعتبارهما المدخل الضروري للبناء الحضاري.
2025-07-14
