ترامب والحرب على غزة…!
سعادة مصطفى أرشيد*
حصل بنيامين نتنياهو على أغلبية برلمانية مريحة عندما قام بتشكيل حكومته الحاليّة في نهاية عام 2022 وهو ما بدا وكأنه ضمانة لحكومة مستقرة تعمر بعمر البرلمان (الكنيست)، ولكن سرعان ما أخذت مشاكله ومشاكل حكومته تزداد شعبياً بسبب دعاوى الفساد المرفوعة ضده أمام القضاء (الاسرائيلي)، ثم بسبب محاولته تغيير شكل الدولة من خلال عبثه في الجهاز القضائي وأنظمته وصلاحياته وجعله ملحقاً بالسلطة التنفيذية. وزاد من الأمر حرجاً ما حدث صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 وما تبعه من تبادل اتهامات حول المسؤوليّة عما جرى في ذلك اليوم بين الجيش وأجهزة الأمن والحكومة، ثم فشلهم جميعاً في سحق المقاومة وتحقيق انتصار في غزة أو في إطلاق سراح مَن تحتجزهم المقاومة، وأخيراً جاء الاشتباك مع إيران ليثبت أن فائض القوة الإسرائيلي المقترن بالغطاء السياسي والعسكري الأميركي غير متكافئ مع فائض الصبر والقدرة على الاحتمال الذي امتلكته الجمهورية الاسلامية والشعب الإيراني، ولعل أحداً لا يصدق ادعاءات نتنياهو في تلك الجولة من القتال.
في واشنطن عاد الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض للمرة الثانية بشخصيته النرجسية وأسلوبه غير المألوف على عادة الرؤساء الأميركان محاولاً إظهار نفسه باعتباره القادر على أخذ المبادرة والمواقف الحازمة التي تنهي الصراعات وتضع حداً للحروب فهو مختلف عن سابقيه من سكان البيت الأبيض.
أما الحرب في غزة وعليها فقط طال أمدها بزمن يفوق توقعات الجميع، وبرغم انسحاب المقاومة اللبنانية من المشاركة في حرب المساندة والإسناد وسقوط دمشق المدوّي لصالح خصوم المقاومة وانكفاء المحور وخوض إيران حرباً إيرانية بامتياز دون أن تضع في أجندتها محورها المتعب وحلفاءها بمن فيهم المقاومة في غزة التي لا زالت رغم نفاد الذخيرة وما تبقى لديها من أقل القليل تناجز العدو وتوقع به الخسائر وتقول لا بملء فمها، ولكن يعود الرئيس الأميركي الفخور بأنه مَن أنهى جولة القتال بين طهران وتل أبيب لإطلاق أفكاره لإنهاء هذه الجولة من القتال التي تستنزف حلفاءه في تل أبيب مالياً واقتصادياً وعسكرياً وتظهرهم بشكلهم الدمويّ القبيح الذي يعمل الغرب على تزييفه وإظهارهم باعتبارهم الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.
يرى دونالد ترامب أنه قادر بأسلوبه المباشر والفظ على فرض أجندته على الجميع بمن فيهم “إسرائيل” لا الحكومة وإنما الدولة، وهو يريد بداية منح الخلاص لبنيامين نتنياهو وإنقاذه من الملاحقات القضائية بطريقة مخالفة للأعراف القضائية في دولة الاحتلال فالذي يستطيع العفو في قانونهم هو رئيس الدولة وهو يعفو بالطبع عن المذنب أو عن مرتكب لجريمة صدرت بحقة الإدانة والأحكام القضائية، ولكنه لا يستطيع أن يعفو عن متهم لم تثبت إدانته. ولكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرى أنه يستطيع فرض ذلك، فهو فوق الجميع وفوق القوانين وقد أرفق تصريحاته بالتهديدات التي تتعلق بتقليص الدعم والمساعدات لتل أبيب في حال لم تتم الاستجابة لاقتراحاته.
يريد ترامب أيضاً إنهاء الاشتباك في غزة وإطلاق سراح الأسرى والبحث في اليوم الثاني لما بعد الحرب بإيجاد من يملأ الفراغ في غزة التي أنهكتها جولة القتال والتي لم يبقَ بها من قوى منظمة إلا المقاومة في حين تقترح الإدارة الأميركية إجراءات طويلة لإعادة الثقة في الحكومة الفلسطينية في رام الله إن استجابت هذه الحكومة للمطالب الإدارية الأميركية بالطبع السياسية والأمنية، فالمقاومة على ما يبدو أنها ستكون جزءاً من أي حل قادم في اليوم الثاني لما بعد الحرب.
لكن لدى دونالد ترامب يوم ثالث لما بعد الحرب وهو إعادة تشكيل المنطقة وفق منظوره وهو منظور مختلف عن من سبقه من قاطني البيت الأبيض، منظور لا يستثني دولة الاحتلال من إعادة تشكيل بعد قرابة الثمانية عقود من تأسيسها على يد اليهود الروس والبولنديين من ذوي الخلفية اليهو-اشتراكية وهو يريد استكمال مشروع التطبيع العربيّ والذي تزعم بعض الدول العربية أنها تتمنّع عنه بسبب الحرب في غزة، والمرشحان الأقوى للانخراط في الأيام العاجلة هما دمشق أبو محمد الجولاني ورياض محمد بن سلمان.
لكن “إسرائيل” تحتاج إلى مكافأة فهل ستكون مكافأتها في الضفة الغربية التي تستبيحها يومياً هذا ما سنعرفه عياناً في الأيام المقبلة.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-07-02
