٤٤ طلقة لم تسكت صوت تشيلي العنيد: فيكتور جارا، حياة كأغنية لا تكتمل!
سعيد محمد*
كانت أيام قليلة قد مضت منذ أن نفذ اليمين التشيلي انقلابه في ١١ سبتمبر ١٩٧٣ على الحكومة الاشتراكية المنتخبة برئاسة سلفادور الليندي، عندما استدعيت جوان جارا زوجته البريطانية الأصل إلى مشرحة سانتياغو، للتعرف على جثة الشاعر القتيل. تقول جوان في مذكراتها “أن المشرحة كانت مكتظة بالجثث في كل أجزاء المبنى، حتى في المكاتب والممرات. جثث شبان في مقتبل العمر يبدو من ثيابهم أنهم طلبة جامعيون، كانت ملقاة على الأرض وبينهم هناك كان يرقد فيكتور جارا. برغم الجرح الغائر في رأسه كانت عيناه لا تزالان مفتوحتان ومليئتان بالتحدي. كان صدره مطرزاً بالثقوب وجرح كبير في بطنه. هذا فيكتور زوجي وحبيبي”.
فيكتور جارا كان شاعراً ومخرجاً مسرحياً ومغنياً وأستاذاً جامعياً مرموقاً. انخرط مبكراً في العمل السياسي والنضال الاجتماعي من أجل تشيلي أفضل، وكان أحد أركان تحالف الوحدة الشعبية بقيادة الزعيم سيلفادور الليندي وحكم تشيلي لثلاثة سنوات انتهت بالانقلاب الغادر الذي دبرته المخابرات الأمريكية عام ١٩٧٣. جارا كان مثقفاً من طراز رفيع، يؤمن بقدرة الثقافة الشعبية على بناء الوعي الثوري، وكان الصوت الأعلى في مواجهة الإعلام الرأسمالي اليميني في تشيلي الذي حاصر حكم الليندي ولم يعطيه صوتاً. أغانيه ومسرحياته التي أخذها للشوارع والملاعب في حفلات مجانية كانت تستهدف كسر هذا الحصار وربط الجمهور العادي بالسياسة. جارا ومعه آخرون منهم الشاعر بابلو نيرودا والرسام روبيرتو ماتّا كانوا بمثابة زعماء ثقافيين للجمهورية الاشتراكية الصاعدة.
أغنيات جارا كانت كلها عن الثورة والعمال والعائلة والأرض والحب، بل وأيضاً الرموز الدينية لشعب معروف بتدينه العميق. مثلاً نشيده “قَسَمُ العامل” كان بمثابة منشور ثوري يوحد العمال والفلاحين ومهمشي تشيلي في جبهة واحدة مع يساريي الليندي. هذا بالطبع لم يفت على قوى اليمين التشيلي الرجعية، لكن جارا صار هدفاً مباشراً عندما غنى عن ” الفلاحين في بيرتو مونت” وهم الذين قتلهم بوليس وزير الداخلية بعدما رفضوا الخروج من أرض خاصة أقاموا أكواخهم الرّثة عليها. قتل وقتها عشرة فلاحين عزّل بينهم طفل، فغنى جارا: “كل أمطار الجنوب لن تغسل يديك يا سيد بيريز زوجوفيك”. ما لبث الثوار اليساريون أن إغتالوا السيد زوجوفيك واعتبر اليمين حينها أن جارا كان المحرّض المباشر على اغتياله.
في الحادي عشر من سبتمبر ١٩٧٣ نفذ اليمين التشيلي انقلاباً عسكرياً على الحكومة الشرعية المنتخبة في البلاد بترتيب و دعم و تنظيم المخابرات المركزية الأمريكية – وهذا أمر أصبح تاريخاً الآن وكشفت عنه الوثائق الأمريكية المفرج عنها -. بالطبع لا يريد الأمريكيون حكماً يسارياً في أمريكا اللاتينية التي كانت تسميها الصحافة الأمريكية حديقة واشنطن الخلفيّة. كان سيلفادور الليندي قد إرتكب كل المحرمات الأمريكية واحدة واحدة: التأميم وإصلاح ملكية الأراضي وإعادة توزيع الثروة فبدأت الأمور تتغير في تشيلي وتحولت إلى مصدر إلهام لشعوب أمريكا اللاتينية كلها، فكان القرار بإسقاط نظامه.
رفض سلفادور الليندي الاستسلام وقاتل بشجاعة في القصر الرئاسي حتى استشهد. كانت المخابرات الأمريكية قد أعدت قوائم بأسماء اليساريين الذين يجب تصفيتهم لضمان سقوط النظام نهائياً. وهكذا انطلقت قوات الانقلابيين تجمع هؤلاء من بيوتهم و أماكن عملهم وجامعاتهم وأرسلتهم إلى ستاد المدينة الرئيسي. أكثر من ٣١٠٠ من خيرة شباب تشيلي عذبوا تعذيباً بشعاً وقتلوا بدم بارد و هم عزّل في ذلك الملعب الحزين.
ستاد العاصمة سانتياغو حيث جمع اليساريون على قوائم المخابرات الأمريكية
فيكتور جارا كان أحد هؤلاء مع حوالي ٨٠٠ من طلبة وأساتذة جامعة سانتياغو. هو اتصل بزوجته يوم حدوث الانقلاب من الجامعة، و قال لها أنه سيبقى هناك لأن الطرق مقطوعة والجيش ينفذ منع تجول. قال لها أن تبقى في البيت وتعتني بنفسها وبابنتيه. كان ذلك آخر عهدها به، إذ استدعيت بعد أيام للتعرف على جثته وسمحوا لها بأخذه ودفنه شريطة أن يتم ذلك بسريّة تامة.
في المحاكمة تحدث أحد الجنود الصغار الذين نفذوا أعمال القتل. قال أن المتهم بيدروا بارينتوس وضع مسدساً على رأس فيكتور وهو يلعب روليت على الطريقة الروسيّة فقتله. الجندي التافه، الذي انتهى طباخاً تعيساً في مطعم أمريكي قتل نجماً أكبر من الحياة نفسها وهو يضحك. يا له من تافه. بعض الناجين القلائل من المذبحة قالوا إن ساعات حياة فيكتور الأخيرة كانت مليئة بالتحدي. هو كتب قصيدة “ستاد تشيلي” يهجو فيها سجانيه و أسيادهم الأمريكان و التي نجح بعض الشجعان في تهريبها ونشرها. ويقال أنه عندما وضع القاتل المسدس في رقبة جارا ويداه مكبلتان، وقف البطل يغنّي للثورة وللحرية ولتشيلي. أطلقوا عليه ٤٤ طلقة ليسكتوه. الأوغاد. أصابعه الطويلة الجميلة التي كانت تعزف الجيتار كانت مشوهة بالرصاص. إنه الحقد الأسود على كل ما كان يمثله جارا كرمز.
جوان جارا (٨٨ عاماً اليوم) قضت أكثر من أربعين عاماً وهي ومانويلا وأماندا ابنتيها تطارد القتلة في المحاكم وتكتب عن جارا وتنشر أعماله. وبعد أن تجرأ فريق تلفزيوني من تشيلي على الكشف عن مكان إقامة القاتل الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وحصل على جنسيتها، رفعت جوان قضيّة عليه في فلوريدا مستفيدة من قانون أمريكي فيدرالي يسمح بمعاقبة الأمريكيين مرتكبي جرائم ضد حقوق الإنسان. وبعد أربع سنوات من المداولة أدانت المحكمة القاتل وكلفته بدفع ٢٨ مليون دولار كتعويضات. لكن جارا وابنتيها لن تحصلا على شيء لأن الرجل معدم تقريباً، والسلطات الأمريكية التي دبّرت الانقلاب لن تبادر بالطبع إلى تسليمه إلى الحكومة التشيلية، لأن ذلك سيكون بمثابة إقرار بالذنب عن الجرائم الفظيعة التي ارتكبها انقلاب بينوشيه البغيض.
هو إذن انتصار شكلي لا أكثر وقرار فارغ المضمون. العدالة لن تتحقق لأن القتلة الحقيقيين في الإدارة الأمريكية طلقاء، والأدهى أنهم ما زالوا يمارسون جرائمهم في كل مكان حول العالم.
فيكتور جارا، الأيقونة
فيكتور جارا، صوت فقراء تشيلي الذي غنى للبطل تشي جيفارا ولفيتنام وهي تقاتل الأمريكي وتحدث شعراً مع صديقه “الشاعر” هو شي مينه، تعيش موسيقاه وأغانيه وقصة حياته وموته دائماً لتلهم أجيالاً من الحركات اليسارية والثائرين
– لندن
2025-07-02