زهران “كوامي” – من نكروما – ممداني:
ابن أبيه
تقادم الخطيب
تتبعت زهران كوامي ممداني، مغني الراب الذي يُعرف فنيًا باسم Mr. Cardamom، وحملته الانتخابية للترشح لمنصب عمدة مدينة نيويورك. رأيت كوامي يخطب في الناس، يطرق أبوابهم، يتحدث عن فلسطين، عن الظلم البنيوي، عن عنصرية النظام، عن نفاق منظمات حقوق الإنسان… ومع كل كلمة، كان يتسلل إلى ذهني وجه أبيه: محمود ممداني… كان الأمر كأن للأفكار القديمة أخيرًا فمًا يتكلم بها، كأن الابن لا يكرّر فقط أطروحات أبيه، بل يجسدها، يسير بها في شوارع السياسة والواقع، لا في هوامش الكتب.
لفهم كوامي، لا بد من العودة إلى ممداني الأب (ذلك الذي كنت نهما جدا في قراءة كتاباته، هو وهومي بابا ومن قبلهم إدوار سعيد). فالأفكار التي ينطق بها الابن، خرجت من كتب أبيه، ومن تصدعات ما بعد الاستعمار، وذاكرة العنف، ونقد النفاق الليبرالي… في كتابه المرجعي Citizen and Subject (1996)، قدم محمود ممداني تحليلاً لواقع ما بعد الاستعمار في إفريقيا، مبينًا أن الاستعمار لم ينتهِ، بل أُعيد إنتاجه داخل الأنظمة الوطنية. لقد رسم خريطة للدولة الحديثة ككيان مزدوج: المواطن في المدن، حيث يسود القانون المدني، والتابع في الريف، حيث تحكم “السلطة العرفية” باسم التقاليد.
{{{بهذا التمييز، كشف ممداني أن الدولة الوطنية ليست دائمًا مشروع تحرر، بل كثيرًا ما تُعيد إنتاج أدوات السيطرة القديمة.}}}
ثم في Good Muslim, Bad Muslim (2004)، عرّى كيف تصنّف الإمبراطورية الحديثة الأفراد بحسب ولائهم لها: المسلم “الطيب” هو من يطيع، و”السيئ” هو من يقاوم. عنف الغرب مشروع، أما عنف الآخرين فإرهاب. نفس هذا المنطق يندد به كوامي اليوم، حين يقف ضد خطاب “الأمن” الأمريكي، ويقول بصوت واضح: “ما فعله محمود خليل دستوري وغير مجرم، وما يفعله نتنياهو هو إرهاب، وسأعتقله”.
ممداني الأب ميّز أيضًا بين نوعين من الاستعمار: الاستيطاني، مثل جنوب إفريقيا وفلسطين، حيث يأتي المستعمر ليبقى، أما غير الاستيطاني، حيث يأتي لينهَب ويرحل. وهذا التمييز، الذي يبدو أكاديميًا، أصبح على لسان الابن أداة سياسية، من هنا نفهم خطابه المنحاز لفلسطين، وهي انعكاس واضح لفكر أبيه الذي يري مواجهة الاستعمار الاستيطاني تتطلب تفكيرًا مختلفًا عن “التحرر الوطني” التقليدي. وهنا كوامي الابن لا يتحدث عن “إصلاح”، بل عن تفكيك منظومة كاملة. ومن هنا تنبع راديكاليته، التي تصدم النخبة وتلهم الهامش… أما موقفه من العدالة، فليس مجرد شعارات انتخابية، هو يدعو إلى عدالة تصالحية، تقر بالجرم دون أن تنسخه، تمامًا كما كان والده يفضل لجان “الحقيقة والمصالحة” على محاكم الإدانة الدولية (المحكمة الجنائية الدولية)، التي غالبًا ما تخدم أجندات المنتصرين.
وحين يعلن كوامي نفسه اشتراكيًا ديمقراطيًا، قد يبدو للبعض أن ذلك مجرد تصنيف سياسي، لكنه في الحقيقة امتداد لنقد أبيه العميق لـ”الليبرالية الإنسانية”. فممداني الأب كان يرى أن حقوق الإنسان صارت أداة للهيمنة الغربية، وأن العمل الإنساني كثيرًا ما يُستخدم لإخفاء العلاقات الإمبريالية القديمة. إن كوامي لا يكرر فقط شعارات أبيه، بل يعيد تجسيدها في سياق جديد. بين نيويورك وكمبالا، بين الاستعمار التقليدي والعنصرية المؤسسية، بين مغني الراب والسياسي، تمتد خيوط الفكرة ذاتها: {{إن التحرر ليس فقط من الاستعمار، بل من الطرق التي علمنا بها الاستعمار أن نفكر.}}كوامي لا يترشح كسياسي تقليدي، بل كمثقف عضوي كما عرّفه غرامشي. أفكار أبيه ليست مرجعية له فقط، بل بنية ذهنية تشكّل كيف يرى العالم ويتكلم فيه.
في مشهد، تمتزج فيه نظرية ممداني بموسيقى الراب، وطرْق الأبواب، والنقاشات مع عمّال التوصيل والمهاجرين. هكذا تُخلق السياسة من جديد.
2025-06-27