من مكة إلى القدس!
غيداء شمسان غوبر*
مع بزوغ فجر عام هجري جديد، تشرق في سماء الروح ذكرى الهجرة النبوية العظيمة، تلك الرحلة المقدسة التي لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولا غير مجرى التاريخ، وبداية لعصر جديد بني على العدل والإيمان،وبينما نحتفل بهذه الذكرى الخالدة، ونستقبل عامًا جديدًا بآمال متجددة، لا نملك إلا أن نُبصر في مرآة الماضي صدى حاضر مؤلم، يعيد إلينا قصة فلسطين، قصة الألم والصمود، قصة الاضطهاد الذي يقابله يقين لا يتزعزع.
لقد كانت مكة في زمن الهجرة مكاناً للأرواح المؤمنة، وميدانًا لقسوة الظالمين اضطر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لترك ديارهم، ولعبور صحاري قاحلة، بقلوب مثقلة بالألم، لكنها مفعمة بالأمل بغد أفضل، وبإيمان لا يقهر بوعد الله.
هاجروا بعقيدتهم، بقيمهم، برسالتهم، ليقيموا في المدينة دولة الحق، وليؤسسوا لأمة تعلي راية العدل في وجه كل طغيان كانت الهجرة بداية لنهضة، وتضحية لأجل مستقبل، ودرسًا خالدًا في الصمود أمام الاضطهاد.
وما أشبه اليوم بالبارحة! ففلسطين اليوم، بأرضها المباركة، وبشعبها الصامد، تعاني ذات القسوة التي واجهها المسلمون الأوائل في مكة تسلب الأرض، وتُهدم البيوت، وتُروع الأطفال، وتُدنس المقدسات، بيد عدو لا يعرف إلا لغة القوة والبطش.
لكن، كما كان للمسلمين الأوائل إيمان يضيء دروبهم، ولرسول الله وعد بالنصر، فإن للشعب الفلسطيني يقينًا لا يتزعزع، وصمودًا يراه العالم، ومقاومة تعيد إلى الأذهان روح الهجرة الأولى.
إن بداية العام الهجري الجديد ليست مجرد تقويم يتغير، بل هي دعوة للتأمل، لإعادة النظر في مواقفنا، لتجديد العهد بالتمسك بقيم الهجرة: الصبر في وجه الشدائد، والثبات على المبدأ، والوحدة في وجه الأعداء، والجهاد لتحرير الأرض والمقدسات.
إن مسؤوليتنا اليوم، كأمة تحمل رسالة الإسلام، هي أن نكون سندًا لفلسطين، وأن نعيد إلى الأذهان معنى الأخوة التي جسدتها الهجرة، حيث آوى الأنصار المهاجرين، وناصروا الحق بكل ما يملكون.
فلنكن في هذا العام الجديد، امتدادًا لروح الهجرة، لنتجاوز حدود الانتماءات الضيقة، ولنُعلي راية الحق والعدل لتكن فلسطين بوصلتنا، قضيتنا الأولى ولتكن مقاومتها نبراسنا لتكن ذكرى الهجرة دافعًا لتغيير واقعنا، لتجاوز صمتنا، لإعادة بناء أمة قوية، قادرة على نصرة المظلوم، وتحرير الأرض المقدسة.
إن النهاية ليست في الاستسلام، بل في اليقين الذي يولد من رحم المعاناة، وفي النصر الذي يكتب بدماء الشهداء، وبصمود الأبطال. فالهجرة كانت بداية، وفلسطين اليوم هي البداية لنهاية الظلم.
اتحادكاتباتاليمن
2025-06-27