ماذا فعلت بالقلوب يا كرمان؟
بقلم :نضال بن مصبـاح | ساحة التحرير
في لحظة خاطفة، لم يكن في الشرق من ينام.
انقلبت قواعد الاشتباك… أو لعلّها سقطت كما سقطت القُبّة.
تلك التي قالوا إنها “حديد”، فإذا بها تتفتّت تحت أول موجة صاروخية.
في الحرب، لا تحتاج الحقيقة إلى إذن.
ولا إلى بيان.
يكفي أن تنظر إلى وجه المستوطن وهو يهرول إلى الملاجئ…
أن تسمع ارتباك القنوات،
أن ترى واشنطن تتلوّى خلف حاملة طائرات.
عندها فقط، يفهم من كانوا يقولون: “العداء مسرحية”.
لكنّ النار لا تُمثّل،
والدخان لا يكذب،
وأصوات الانفجارات لا تأتي من كواليس هوليود.
كل ما جرى في الأيام الأخيرة، كان حيًّا… دمويًّا… صارخًا، كالحقيقة حين تُفتح لها الأبواب فجأة.
لم تكن الضربة مفاجأة.
كانت احتمالًا مؤجّلًا.
جرّب الكيان كل أنواع العرب:
المطبّع، الخائن، الخائف، اللامبالي…
لكنّه لم يجرّب الغضب الإيراني من قبل بهذا الشكل.
فحدث ما لم يكن في الحسبان.
صواريخ لا تلوّح.
لا تبرّر.
ولا تسأل.
تخرج في صمت،
وتعود بإجابات لا تحتمل النقاش.
ساعات فقط، وسقط كلّ شيء كانوا يتباهون به:
الردع، التفوّق، التكنولوجيا، التنسيق الأمني…
سقطت مثل خرافة أُعيد تكرارها حتى سئِمها الزمن.
أمريكا؟
لم تبدُ كدولة عظمى.
بدت كمن تراجع خطوات… لا لتتأمل، بل لتحمي رأسها.
تحرّكت، نعم، لكن ليس لتحسم، بل لترضى.
لترضى إسرائيل.
.
حين يتعلّق الأمر بهذا الكيان، تفقد واشنطن استقلالها.
تصبح أداة، لا حليفًا.
وسلاحًا بلا قرار.
البيت الأبيض لا يُقرّر حين تُصاب تل أبيب.
هو يُنفّذ.
هذه المرّة، لم يكن الصمت الإيراني هو اللغة.
بل الفعل.
الردّ.
الإنذار.
وما لم يفهمه الكيان في غزّة، شرحه له الإيرانيون على الهواء مباشرة.
أن زمن الضرب بلا حساب قد انتهى.
وأن اليد التي تقترب من طهران، قد لا تعود سالمة… إن عادت.
لكن حتى يُكتمل المشهد، لا بد من النظر إلى الداخل:
المعركة لم تكن مجرد “جولة”…
بل غربال فرز.
غربال سقط فيه المطبّعون،
وسُحق تحته المترددون،
وابتلع المنافقين الطائفيين الذين لم تعجبهم الصواريخ لأنها خرجت من طهران، لا من عاصمة “سُنيّة”.
ماذا تفعل الطائفية حين ترى صاروخًا يسقط على قاعدة إسرائيلية؟
تتلعثم.
تغضّ البصر.
تحاول جاهدًة تقليل الحدث،
وتعود للإنشاد في حبّ السلف والصحابة،
لا تقوى، بل لتُخفي الارتباك أمام جمهورٍ بدأ يسأل.
على الهامش، جلست روسيا تتأمل.
تراقب من بعيد، وتكتب بيانات مرنة.
بكين كذلك.
حياد ناعم في وجه نيران صلبة.
أين الاصطفاف؟
أين المعسكرات الجديدة التي كانوا يتحدّثون عنها؟
أين “العالم المتعدّد الأقطاب” حين يعلو صوت الصواريخ؟
كان كل شيء واضحًا:
من لديه صوته… تكلم.
ومن لا صوت له… انتظر نشرة الأخبار.
ثم جاء أخطر ما في المشهد:
ردّة فعل الرأي العام.
لم يسأل الناس عن السبب،
ولا عن التوقيت،
ولا عن التفاهمات.
سألوا سؤالًا واحدًا:
هل أصاب الصاروخ؟
وحين جاءت الإجابة: نعم،
سكتت كل التحليلات.
لم تكن إيران وحدها التي أصابت.
بل أصابت معها ذاكرة الشعوب.
أعادت ترتيب الخرائط،
ورفعت يدًا طالما حاولوا تقييدها باتهامات طائفية، أو عزلة مفتعلة.
هذه اليد، امتدت…
فأحدثت فرقًا.
ما حدث، ليس معركة.
هو تصحيح مسار.
وتكذيب تاريخ.
وصفعة على وجه فكرة ظنّت نفسها مطلقة.
إثنا عشر يومًا،
كانت كافية لتسقط القُبّة،
ولتسقط معها قببًا كثيرة:
قِبّة الردع،
وقِبلة التطبيع،
وقنبلة الطائفية،
ورمش التحليل “المتوازن”…
ما عجزت عنه قمم العرب،
أنجزته قمم الجبال في كرمان،
وما لم تقله المنابر، قاله صاروخ خيبر وفاتح.
من بعد اليوم، لا أحد سيقول:
“الكيان لا يُمسّ”.
ولا أحد سيجرؤ على اتهام كل ما هو فارسي بـ”التقية”.
الحديد سقط.
والزيف سقط.
وبقيت الحقيقة… واقفة كما وُجدت لتكون.
2025-06-25
