لعبة الهريسة… تمرد الفجر الأول!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ما زالت رائحة الهريسة الساخنة، الممزوجة بالسكر والدارسين، تتسلل إلى ذاكرتي كلما داهمني الحنين إلى بغداد الطفولة. ليست الهريسة، كما يعرفها الناس، طبقًا من الحنطة المهروسة واللحم والدهن الحر فقط. إنها، بالنسبة لطفلٍ بغدادي في ستينيات القرن الماضي، طقسٌ من طقوس الانضباط القسري، ودرس مبكر في الالتزام… أو التمرد.
كنتُ آنذاك لا أتجاوز السادسة من عمري حين أصبح اسمي مثبتًا بحبرٍ لا يُمحى في “قائمة الفجر”. كل جمعة، وقبل أن يفتح الصباح عينيه، كان والدي، بحنانه الصارم، يوقظني قائلاً: “وليد، قوم… جيب الهريسة”.
فأرتدي ملابسي على عجل، وأمسك بالقدر المعدني الذي يتبدل حجمه حسب ما يُتاح من نقود، من عشرة فلوس حتى مئة فلس، وأتوجه مسرعًا إلى محل الهريسة الشعبي في الحي.
الهريسة التي أُرسل لشرائها لم تكن تلك المزينة بلحم الغنم، بل كانت النسخة الشعبية البسيطة: حنطة مهروسة حتى الذوبان، يُسكب فوقها زيت ساخن، ويُرش السكر والدارسين على وجهها.
كان البائع يعرفني، كما يعرف باقي أطفال الأحياء المجاورة. يقف خلف قدوره المتقدة، يسكب لنا الهريسة ونحن نصفق بأقدامنا الصغيرة من شدة البرد.
أضع القدر فوق رأسي، وأفصل بينه وبين جلدي بقطعة قماش، لكن سخونة الطعام كانت تنفذ كالسهم وتلسع فروة رأسي.
أتجه بعد ذلك إلى الفرّان لشراء الصمون الحار، ثم أعود، أترنح تحت الثقل والحرارة، وفي داخلي طفولة تتلوى من الظلم، لا من الوزن.
لم يكن أخي الأكبر يرضى بأداء هذه المهمة. تمرد، رفض، أصر، حتى شُطب اسمه من القائمة، وانتقلت المهمة إليّ، أنا الصغير الذي لم يعرف بعد معنى “الرفض”.
دام الحال عامًا أو يزيد، وكنتُ كل جمعة أُحرم من النوم، لأجلب فطورًا ساخنًا للعائلة، يُلتهم على عجل… ولا يُسأل عن كُلفته النفسية.
لكن ذات جمعة، قررتُ أن أتحرر.
نفذت المهمة حتى نهايتها: اشتريت الهريسة، وجلبت الصمون، ثم انزويت في أحد الأزقة، جلست القرفصاء، وأكلت حتى امتلأت معدتي الصغيرة، وارتاحت روحي من ثقل القدر.
ثم، بحركة درامية مدروسة، ألقيت بالقدر على الأرض، وعدت إلى البيت متصنعًا البكاء، مدّعيًا أن القدر سقط مني من فرط سخونته وثقله.
والدي لم يُعلّق كثيرًا. رمقني بنظرة طويلة، ثم مرّت الأيام.
وفي أحد الأسابيع، وبينما يتهيأ أفراد العائلة لفطور الجمعة، مال أبي إليّ، وهمس في أذني بابتسامة باهتة:
“حلوة جانت لعبة الهريسة…”
فهمتُ حينها أنه كشف الحيلة، لكنه – كعادته – راعى قلبي الصغير، وتضامن بصمته معي.
ومنذ ذلك اليوم، رُفع اسمي من القائمة.
تحررتُ من المهمة، وكُسرت أغلال “الجمعة”، وبقيتُ أحتفظ بلقبٍ خاص في ذاكرتي:
“الذي أكل الهريسة، ثم أعلن التمرد.”
2025-06-12