أوهن من بيت العنكبوت… حين يسقط الكيان من لحية حريدي!
بقلم:نضال بن مصباح
من كان يظنّ أن سقوط كيانٍ عسكري نووي سيبدأ من قاعة تلمودية؟
ومن كان يتخيّل أن جيشًا يفاخر بقنابل الذكاء الاصطناعي، سيرتعد أمام لحية تلميذ حريدي لا يميّز بين البندقية والملعقة؟
هذه ليست حبكة درامية، بل مشهد حيّ من مسرحية عبثية، بطلها نتنياهو، يصفّق فيها الحريديم، بينما الدولة تحترق من الداخل… لا بصواريخ “حماس”، بل بخناجر من يسمّون أنفسهم “شعب الله المختار”.
في مشهد لا يكتبه إلا قلم العدالة الإلهية، يقف نتنياهو اليوم في زاوية ضيقة، يصرخ باسم “الأمن القومي”، بينما ترد عليه الجوقة بلغة المال والمكاسب: “ادفع لنا، نعفي أبناءنا من القتال!”
نعم… في دولة تحتل أرضًا وتتفاخر بقوتها، هناك طائفة تُدعى الحريديم: لا تخدم في الجيش، لا تعمل، لا تُنتج… لكنها تتقاضى رواتب من الدولة التي تحميها. بل وتهدّد بإسقاط الحكومة إن فكّر أحد في إجبار أبنائها على حمل السلاح!
في البداية، كان الأمر انتخابيًا بحتًا. تم إنشاء “الـيشيفا”، وهي معاهد لتعليم التلمود، كوسيلة لجذب أصوات الحريديم. ومع الوقت، تحوّلت إلى منجم ذهب لكل سياسي يطلب مقعدًا. كل طفل حريدي يُولد، تزيد المعونات. وكلما زاد الدعم، انخفض التجنيد.
ومع صعود الليكود عام 1977 بقيادة بيغن، ثم لاحقًا نتنياهو، أصبحت اليشيفا أداة سياسية: إعفاء من الجيش مقابل دعم انتخابي. وهكذا، صار التخلف عن الخدمة العسكرية حقًا مقدسًا، والمسّ به إعلان حرب داخلية.
وفي مارس الماضي، بينما كانت صواريخ غزة تمزّق سماء الكيان، قررت حكومة نتنياهو اقتطاع أكثر من 814 مليون دولار من وزارات التعليم والصحة… لكنها أبقت دعم الحريديم كاملًا، بل وزاد:
351 مليون دولار لمعاهد يشيفا، 32 مليونًا للمؤسسات الحريدية، 10 ملايين لحملات منع الطلاب من مغادرة اليشيفا، إضافة إلى تخفيضات وسكن وضرائب ومواصلات.
هكذا أصبح “ابن اليشيفا” هو النموذج المثالي لكل حريدي: لا جيش، لا وظيفة، فقط مال وفَتاوى تقول له: “ابقَ في البيت، واترك القتال لأغبياء الصهاينة.”
اليوم، يسقط نتنياهو سياسيًا. يتراجع في استطلاعات الرأي، يتفتت ائتلافه، وتعلو الأصوات من داخله: “نتنياهو هو المشكلة… كل وعوده كذب.”
صحيفة يديعوت أحرونوت تنقل غضبًا متصاعدًا من حزب “يهدوت هتوراة”، بينما حزب “شاس” يهدد بالانسحاب إذا تم اعتقال أي طالب يشيفا.
وفعلًا، بدأت الشرطة العسكرية باعتقال بعض الرافضين للخدمة، فانفجر الشارع الحريدي، وسقطت الأقنعة. لم تعد القبة الحديدية وحدها تخذلهم… بل حتى قبة البرلمان تهتز تحت أقدام الحاخامات.
ما لا يدركه كثيرون أن الحريديم ليسوا فقط عائقًا أمام التجنيد، بل صاروا رأس حربة في تقويض المشروع الصهيوني من الداخل.
هم لا يعترفون بالدولة أصلًا، بل يرون في قيام “إسرائيل” خطيئة دينية يجب إزالتها.
فأي جيش تطلب منهم الالتحاق به؟!
بل من الأصل: ما معنى دولة لا يؤمن بها جزء من سكانها، يمتصّها ماليًا، ويهدّد وجودها من الداخل أكثر من أعدائها في الخارج؟!
أما نتنياهو، فقد خسر حتى أوراقه الخارجية. لم تعد أمريكا تركّز عليه في ملف التهدئة مع اليمن. المفاوضات تُفتح مع “حماس” من خلف ظهره، وملف طائرات F-35 يعود إلى الطاولة مع تركيا.
التفوّق العسكري الذي كان “خطًا أحمر” يتآكل ببطء… من الداخل، لا من الجبهة.
وهنا، تصدق الآية:
﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى﴾
ما نراه ليس دولة، بل “ييشيفا كبيرة” يقودها سياسي كاذب، وجنود مأزومون، وحاخامات يفاوضون على ثمن عدم الخدمة العسكرية.
لا حماس تحتاج قذائف جديدة، ولا اليمن بحاجة إلى صواريخ إضافية… فقط نفسٌ أطول، وسينهار الكيان من الداخل… من البطن الناعم، من طائفة تُهدد وجوده أكثر من أعدائه.
وصدق الشهيد القائد السيد حسن نصرالله حين قال:
“إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت.”
نعم… أوهن من بيت العنكبوت، وكأن السيد، في لحظة تجلٍ، قرأ الصفحة الأخيرة من هذا الفصل… وأخبرنا بها قبل أن تبدأ الحكاية.
من الحريديم إلى الهيكل، من اليشيفا إلى الكنيست… كل شيء يتصدّع.
لا لأن المقاومة أطلقت الرصاصة، بل لأن أركان البيت من ورق: سقفه توراة محرفة، وقاعدته كذبة، وأهله مجموعات متناحرة.
وإذا كان هذا هو البيت، فخيوط الزوال داخله… تنتظر فقط من ينفخ.
وقد بدأ النفخ، والبيت يتهاوى.
2025-05-31
