حكمة القدر…!
غيداء شمسان غوبر*
في مسرح الحياة الفسيح، حيث تتراقص الأقدار على إيقاع الزمن، وحيث تلقي الأيام بظلالها المتغيرة على أرواحنا، نجد أنفسنا تارة في غياهب الحزن العميق، كليل سرمدي لا يبدو له آخر، وتارة أخرى نحلق في سماء الفرح المشرق، كشمس لا نرجو لها أفولا. نعايش هذه التناقضات بكل جوارحنا، نقاوم الأولى بكل ما أوتينا من قوة، ونمسك بالثانية بكل ما نملك من شغف، ظانين أن كل حال هو قدرنا الأبدي.
ولكن، سرعان ما تدركنا حقيقة كونية لا مفر منها، حقيقة تعيد ترتيب أولوياتنا وتعيد صياغة فهمنا للوجود: أن كل شيء في هذه الدنيا لا يدوم. فالحزن، مهما طال ليله واشتدت عتمته، لا بد أن ينقشع. هو كغيمة عابرة، تظلل الروح لفترة، ثم تنجلي لتفسح المجال لشمس الأمل. وكم من قلب ظن أن حزنه سيلازمه إلى الأبد، فإذا بالقدر يفاجئه بفجر جديد، يبدد ظلام اليأس ويعيد للفؤاد نبض الحياة.
وكذلك الفرح، تلك اللحظات الساحرة التي نحاول أن نخلدها في ذاكرتنا، ونمسك بها بقوة خشية أن تتلاشى. هو كزهرة يانعة، تبهج العين وتعطر الأجواء، لكنها حتما ستذبل لتفسح المجال لغيرها. إن إدراك أن الفرح لا يدوم ليس دعوة لليأس أو لعدم الاستمتاع به، بل هو دعوة لتقديره، لعيشه بكل تفاصيله، لاستلهام قوته قبل أن يرحل، ولفهم أن قيمته تكمن في عابريته.
هنا يتدخل القدر، تلك اليد الخفية التي تدبر الأمور بحكمة بالغة، وتقلب الأحوال بإرادة لا تقهر. القدر ليس قيدا يكبلنا، بل هو مسار يرسم لأجلنا، لنتعلم منه، لننمو به، لندرك أن وراء كل حزن حكمة، ووراء كل فرح شكرا. هو الذي يعلمنا أن دوام الحال من المحال، وأن التغيير هو سنة الكون التي لا تتوقف.
وفي خضم هذا التغير الدائم، يبرز التفاؤل كشعلة تضيء الدروب المعتمة، وكمرساة تثبت السفن في بحر التقلبات. التفاؤل ليس غفلة عن واقع الحزن، ولا هو إنكار لمرارة الفقد، بل هو إيمان عميق بأن بعد كل عسر يسرا، وبأن بعد كل ليل فجرا. هو القدرة على رؤية النور في نهاية النفق، هو اليقين بأن الله لا يخذل عباده، وبأن رحمته وسعت كل شيء. التفاؤل هو فهم أن “لا يدوم” تنطبق على الحزن كما تنطبق على الفرح، وأن القدر يخبئ لنا دائما ما هو خير، حتى وإن بدا لنا في لحظته شرا.
فيا أيها السائر في دروب الحياة، لا تيأس حين يطبق عليك الحزن، واعلم أنه لا يدوم. ولا تتمسك بالفرح بشدة تنسيك حقيقة عابريته، بل اشكره واستمتع به. وثق بالقدر الذي يدبر أمرك بحكمة، واجعل التفاؤل رفيق دربك، فإنه مفتاح الصبر، وبوابة الأمل، ونور اليقين في عالم لا يثبت فيه شيء إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام.
#اتحاد_كاتبات_اليمن
2025-05-30