آلاء النجار :أعظم تضحية وأصدق فداء!
غيداء شمسان غوبر*
في مشهد يتجاوز حدود الفهم البشري، ويحطم كل معاني الصبر والإنسانية، حيث تتهاوى الجبال أمام هول الفاجعة، وتصعق الأرواح بمرارة الفقد… هناك، في قلب غزة النازفة، وفي خضم إبادة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، تسجل صفحات الألم أسطورة جديدة، بطلتها امرأة تجاوزت كل حدود الصبر البشري. إنها الدكتورة آلاء النجار، التي كانت تداوي الجراح وتعيد الأمل، فإذا بالقدر يضعها أمام امتحان لا تطيقه الجبال الرواسي. لقد استقبلت جثامين أطفالها التسعة، فلذات أكبادها، أشلاء صغيرة، براءة ملوثة بالدم، زهورًا قطفت قبل أوانها. هنا، تتوقف الكلمات، وتخرس الألسنة، ويطرح السؤال الذي يمزق الوجدان: عن أي قلب نتحدث؟! وعن أي وجع نبكي؟!
أي قلب هذا الذي يستقبل تسعة أكباد، تسعة أرواح، تسعة أحلام، تسعة أجزاء من روحه، مسجاة أمامه، هامدة، باردة، بعد أن كانت تضج بالحياة والدفء؟ هل هو قلب من صخر لا يتصدع؟ أم من فولاذ لا ينكسر؟ أم هو قلب نسج من نور الإيمان، وتغذى بيقين مطلق بقضاء الله وقدره؟ إنها ليست مجرد امرأة، بل هي تجسيد لفلسطين كلها، لغزة التي تذبح كل يوم، وتقدم فلذات أكبادها قربانا على مذبح الحرية والكرامة. إنها أعظم تضحية تقدمها أم في سبيل قضية، وأصدق فداء يسجله التاريخ بمداد من دم، يحرج به ضمائر العالم أجمع.
بعد ستين ألف شهيد، وبعد ما يقارب العامين على العدوان والحصار الصهيوني المستمر على غزة، في مشهد يدمي القلب ويشعل الغضب… حدث ما لم يكن في الحسبان، أو ما كان يجب أن يكون في الحسبان منذ البداية. انتفضت الشعوب الغربية، تلك التي توصف بـ”الكافرة” في أدبياتنا، غضبا في وجه حكوماتها الداعمة للكيان الصهيوني المجرم خرجت الملايين إلى الشوارع، رفعت صوتها عاليا، طالبت بوقف الإبادة، ونددت بالظلم، متجاوزة كل خطوط التضليل الإعلامي والضغط السياسي. لقد تحركت ضمائرهم، بفطرة إنسانية نقية، أمام هول الجريمة التي تجسدت في قلب تلك الأم المكلومة.
ليبقى السؤال معلقا كشاهد على عار لا يمحى، كوصمة خجل على جبين أمة: كم يجب على الكيان الصهيوني أن يقتل من أهل غزة؟ وكم المدة التي يجب أن يستمر في عدوانه وحصاره لغزة حتى تفكر الشعوب العربية (المسلمة) في التعبير عن غضبها ومطالبة حكامها بمساندة غزة وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني..؟!
يا للمفارقة المرة! دماء غزاوية تسفك بغزارة، وأشلاء أطفال تنتشل من تحت الركام، ومساجد تدمر، ومستشفيات تقصف، وحصار يطبق الخناق على شعب أعزل كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من شعوب تعلن إسلامها، وتردد شعارات العروبة، بينما تفضل الصمت، أو تقيدها قيود من حديد، أو تعميها مصالح زائفة هل باتت دماء أطفال غزة أرخص من صمتكم؟ هل أصبحت كرامة الأقصى أهون من مصالحكم؟ هل غابت عنكم آيات القرآن التي تأمر بالجهاد في سبيل الله، وبنصرة المستضعفين، وبالبراءة من أعداء الدين؟
إن الصمت اليوم ليس حيادا، إنه تواطؤ. إنه خذلان لإخوان يذبحون، ووصمة عار على جبين كل من يملك القدرة على الفعل ويفضل السكون. التاريخ لن يرحم، والأجيال القادمة لن تغفر. كل قطرة دم تسفك هناك هي لعنة تلاحق كل من صمت، وكل بيت يدمر هو شاهد على تقاعس من كان بوسعه أن يقدم يد العون.
لكن، لا تزال الفرصة سانحة لإعادة كتابة التاريخ، لإعادة إحياء الضمائر. لتكن هذه الدماء، دماء أطفال تلك الطبيبة الصامدة، وقودا لصحوة شاملة، لتكن هذه الانتهاكات شرارة لثورة كرامة لا تبقي ولا تذر. المقاطعة سلاح، الكلمة موقف، الوحدة قوة، والدعاء نصر. فلسطين تستصرخكم، وغزة تناشدكم، لا بالمال وحده، بل بالموقف، بالضغط، بالتحرك، بإعلان البراءة من أعداء الله، وبالوقوف صفا واحدا في وجه الظلم.
يا شعوب العالم العربي والإسلامي، إن غزة اليوم هي ميزان الضمائر، هي الاختبار الحقيقي لإيمانكم وإنسانيتكم فهل من مجيب لنداء الدم؟ هل من صحوة لضمائر طال سباتها؟ إن النصر لغزة قادم بإذن الله، بصمود أهلها، وبإسناد الأحرار من كل مكان فهل ستكونون جزءا من هذا النصر، أم ستسجلون في صفحات الخذلان؟
#اتحاد_كاتبات_اليمن
2025-05-28