أحلام القزم باستعادة القرم!
د. وسام جواد
في الوقت الذي تجري فيه محاولات إطفاء سعير نيران الحرب الروسية – الاوكرانية، واستعداد روسيا للتفاوض من أجل حل الأزمة القائمة بين البلدين، تنطلق بعض الأصوات النشاز، كصوت النائبة المتطرفة في مكتب زيلينسكي، إيرينا فيريشوك، الداعية الى”إعداد أطفال اوكرانيا لحرب طويلة مع روسيا تستمر لا لسنوات، وإنما لقرون” بدلا من العمل المطلوب لتجنب ويلات الحروب.
ولا شك بأن لهذه الدعوة المفعمة بالحقد والكراهية، جذورها العميقة الممتدة لسنوات سحيقة، رغم السنوات والعقود في ذل أقصى الجهود لتلطيف أجواء العلاقات بين روسيا واكرانيا، التي اتجهت نحو التوتر بعد قرار نيكيتا خروتشوف ضم القرم الى اوكرانيا في شباط 1954، وقراره اطلاق سراح الآف القوميين البنديريين عام 1955 (نسبة الى الخائن والمتعاون مع النازية اسطيفان بنديرا)، المعروفين بتعصبهم القومي وكراهيتهم للروس، وتعاونهم الوثيق مع النازيين .
لم يكن القرم روسيا ولا أوكرانيا. وقد عُرِف قديما بـ “توريكا” نسبة الى قبائل التورينا التي استوطنت فيه قبل الميلاد. وقد استخدم اليونانيون والرومان نفس التسمية، بعد ان استقروا هناك في القرن الرابع والخامس والسادس قبل الميلاد. أما التتار فقد اطلقوا على شبه الجزيرة تسمية القرم التي تعني “القلعة” باللغة التركية، وبقي هذا الإسم الى وقتنا الحاضر.
خاضت الامبراطورية الروسية عدة حروب مع الدولة العثمانية، خرجت منها منتصرة. وتم خلالها ضم شبه جزيرة القرم، الى روسيا القيصرية بقرار من الإمبراطورة الروسية، يكاترينا الثانية عام 1783، منهية بذلك، حكم خانية القرم، الذي اتخذ من قصر بخشي السراي ( ليس بعيدا عن مدينة العاصمة سيمفيروبل ) مقرا لحكم دولة مستقلة شكليا، وخاضعة عمليا لسيطرة العثمانيين .
لم تتمكن الامبراطورية الروسية بعد ضمها القرم، من توطيد علاقات جيدة مع السكان الاصليين، وتعاملت معهم بشيئ من الفوقية، جعلت الحذر يشوب العلاقة بين الروس والتتار، الذين شكلوا النسبة الأعلى من السكان في بداية القرن العشرين. لكن هذه النسبة أخذت بالتضاؤل بعد توجه أعداد كبيرة من الروس للعيش هناك، وتعرض التتار الى مضايقات وتهجير قسري خاصة في فترة الارهاب الستاليني، تحت اشراف الجلاد لا فرينتي بيريا، الذي قاد حملة العار ضد التتار بوضح النهار بحجة التعاون مع الاحتلال النازي، رغم خدمة 35 الف من تتار القرم في الجيش الأحمر، وما مجموعه 60 ألف مقاتل في مختلف الجبهات، وحرق 127 قرية للتتار أثناء إحتلال القرم ( لو أنهم كانوا متعاونين مع المحتل كما ادعى بيريا، لما أحرقها النازيوين). ورغم ترشح 18 مقاتل تتاري للحصول على لقب بطل الاتحاد السوفيتي، ناله 6 مقاتلين فقط ، كان من بينهم الطيار الاسطوري، أحمد خان سلطان، بطل الاتحاد السوفيتي مرتين، وعبد الرحيم رشيد. لكن ذلك كله، لم يشفع في تجنب جريمة العقاب الجماعي بالترحيل الفوري لأكثر من 200 ألف مواطن من تتار القرم في 18 آيار 1944 بأمر من ستالين، وتنفيذ بيريا.
واذا كان لا بد من ذكر تعاون بعض التتار مع الاحتلال، فليس من الانصاف حجب حقيقة تعاون حوالي 300 ألف من الروس و 250 الف من الاوكرانيين مع القوات النازية، حيث عملوا في مجال الاستطلاع والتخريب، وقتل وترويع المدنيينن، وهو ما ما يدل على ان الخيانة، لا ترتبط قطعا، بشعب دون غيره. فالخيانة (السياسية،الاجتماعية، والدينية ) كانت ولا تزال، كالخنجر في خاصرة المجتمعات، يلجأ اليه فرد، أو عدد من الأفراد في الأوقات الحرجة. وكان اتهام لافرينتي بيريا لشعوب القفقاز وتتار القرم بالتعاون مع المحتل النازي، إتهاما سخيفا، سُخف موجههِ.
يشكل الروس حاليا حوالي 58.32%. والاوكرانيون حوالي 24 % والتتار حوالي 12-13 % من مجموع سكان القرم، وما عدا ذلك يخص المجاميع الإثنية الأخرى (اليونانيين، الأرمن، اليهود، الألمان وغيرهم ). وقد أعاد استفتاء عام 2014 تبعية القرم لروسيا الفيدرالية، كأمر واقع لا يمكن تجاهله، خاصة من الجانب الاوكراني، الذي لم يكن له أي دور في الحروب الروسية التركية للسيطرة على القرم، والتي انتهت باعتراف الخانية (وإن كان على مضض) بسيطرة روسيا القيصرية على القرم وتبعيته لها.
لقد كان قرار ضم القرم الى اوكرانيا، من الأخطاء الفادحة، التي ارتكبها خروتشوف في فترة قيادته الغبية للإتحاد السوفيتي. وما أعداد القتلى والجرحى الكبيرة في مختلف جبهات القتال بين روسيا واوكرانيا،التي رافقها اصرار الولايات المتحدة والناتو واللوبي (الخفي والمُعلن) على دعم عصابة كييف، سوى محاولات يائسة وبائسة لإطالة أمد الحرب، بهدف إضعاف روسيا عسكريا واقتصاديا وسياسيا، الأمر الذي لم، ولا، ولن يتحقق
موسكو
25.05.202
