الاحتلال الفرنسي للجزائر .. الذاكرة الجريحة وإرادة العدالة!
توفيق سلاّم
كان البحر صامتًا حين حاصرت السفن الفرنسية سواحل الجزائر. وفي أعماق الصمت كانت القذائف تسقط كحمم بركانية في إبادة السكان تشعل الحرائق وتتكون كسحب سوداء على وطن لم يكن ينتظر الموت.
لم يكن الاحتلال الفرنسي مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل كان زمنًا معلقًا بين لهيب المجازر ورماد الهوية. دام الاستيطان الاستعماري 132 عاماً، ليس بوصفه مجرد سلطة عسكرية أجنبية، بل محاولة ممنهجة لاستئصال روح أمة، ليبدأ زمن القهر.
غزو الجزائر
حين دخلت فرنسا خريف القرن التاسع عشر مثقلة بجراحها، كانت تبحث عن شيء تواري به فشلها الإمبراطوري، وتستعيد به كبرياءها الذي تبخر مع رياح الهزائم النابليونية في أوروبا والعالم الجديد. كانت باريس تموج بأزمات مركبة، اقتصادية خانقة، وسياسية مترنحة، واجتماعية تهدد بالانفجار. وبدل أن تواجه شقاء الداخل، قررت تصديره إلى الخارج.
الجزائر، عند الضفة الأخرى من المتوسط، بدت للذهنية الاستعمارية الفرنسية كبوابة خلاص وملاذ استراتيجي. لم يكن الغزو وليد لحظة أو رد فعل لحادثة عرضية كما زعمت فرنسا لاحقاً، بل كان مخططاً مدروسًا منذ مطلع القرن، منذ أن كلفت باريس ضابطها “بوتان” برسم خرائط الساحل الجزائري وإعداد سيناريو الاجتياح، سنة 1808. كانت نية الاحتلال مبيتة، وأسباب الغزو أعمق من حادثة “المروحة” 1827 التي افتعلتها الدعاية الفرنسية لاحقًا كذريعة فجة لتبرير عدوانها. حينها كانت فرنسا تعاني من أزمات ضاربة، ولم تجد وسيلة لتخفيف احتقانها الداخلي سوى صناعة نصر خارجي يلهي شعبها، ويمنح ملكها “شارل العاشر” انتصارًا يخفي عجزه السياسي. الاقتصاد الفرنسي المنهك كان بحاجة إلى خزائن الجزائر العامرة، وحقولها الخصبة، وسواحلها الممتدة. أما الطبقات الفقيرة التي أثقلتها الحروب، فكان لابد من تفريغها في مستعمرات جديدة، تبتلع الجوعى والمعدمين وتحولهم إلى مستوطنين.
ومن خلف هذه الأهداف الاقتصادية والسياسية، كان ثمة نزعة استعمارية مشبعة بحقد ديني قديم.
لقد رأت فرنسا في الجزائر فرصة لتجديد الحروب الصليبية بلباس استعماري حديث. أرادت طمس الهوية الإسلامية، ومحو الذاكرة الوطنية، وفرض النموذج النصراني الأوروبي باسم التمدن والتحضر.
ذريعة المحتل
اتهمت فرنسا الجزائر بالقرصنة في البحر المتوسط، بينما كانت تدافع عن سيادتها البحرية في زمن كانت فيه كل الأساطيل الأوروبية تمارس النهب تحت غطاء “التجارة”.
رفضت الجزائر دفع الأثمان السياسية للهيمنة الفرنسية، فاتهموها بالإهانة. فرضت الجزائر رسوماً جمركية تحفظ اقتصادها، فاعتُبر ذلك عدواناً. كانت كل خطوة جزائرية تُفسر في باريس كسبب كافٍ للغزو.
وفي 14 يونيو 1830، نزلت القوات الفرنسية في “سيدي فرج”، وكان ذلك موقع الضعف في التحصينات الجزائرية، وفق ما أوصت به تقارير الجواسيس الفرنسيين قبل عقود. لم يكن الإنزال الطارئ وليد رد فعل، بل تتويجاً لتحضيرات طويلة. وبعد أسابيع من المواجهات غير المتكافئة، وقّع “الداي حسين” وثيقة الاستسلام في 5 يوليو 1830، لتدخل الجزائر في ليل استعمار استيطاني طويل، هو الأقسى والأبشع في تاريخ العالم الحديث.
كان الاحتلال الفرنسي للجزائر، ليس فقط نتيجة حادثة دبلوماسية، بل تجل صارخ لأزمة بنيوية داخل النظام الفرنسي نفسه، ولرغبة استعمارية تسعى لاستعادة مجدها الغابر على حساب الشعوب الحرة. من هنا، فإن جرائم الاحتلال لم تكن حوادث طارئة، بل استمرار طبيعي لنية الغزو الأصلية، التي جمعت بين الطمع، والحقد، والاضطهاد.
الهوية المذبوحة
غزت فرنسا الجزائر لا لتبني دولة ولا لتؤسس نظامًا، بل لتحطم الإنسان نفسه، لتكسر لغته، وتعيد تشكيل ذاكرته، وتصبغ ملامحه بلون الآخر. ومنذ اللحظة الأولى كانت فوهات البنادق تسبق الكلمات، وكانت الكهوف تُحرق على من التجؤوا إليها للنجاة. وكانت القرى تُجتث كما يُجتث العشب البري في طريق الجرافات.
ولم تكن فرنسا فقط قوة احتلال، بل كانت آلة جهنمية تعيد قولبة المجتمع الجزائري من جذوره، تفرض لغتها كلغة وحيدة، وتنسخ مناهج تعليمية تمحو الإسلام وتستبدله بمسيحية مدجنة، وتبدل أسماء الناس وألقابهم، ومن أدوات هذا المحو اقتلاع المساجد الإسلامية وتحويلها إلى مقرات للسلطات الاستعمارية، بعد أن غيروا معالمها، كما هدموا أوقاف الإسلام وهيئات التعليم الديني،
لتجعل من المواطن الأصلي مجرد تابع ملون في مستعمرة البياض الفرنسي. تغيرت أسماء القرى، وتبدلت ملامح المدن، حتى صار العائد من الجبال لا يعرف طريقه إلى الحي. ولم يكن للجزائري إلا أن يتعلم لغة محتله، ويؤمن”بمزايا الحضارة الفرنسية” التي تذبحه صباحًا وتمن عليه مساء بكوب من حليب مسروق.
التهجير القسري
وحين لم تجد فرنسا مقاومة مباشرة، لجأت إلى أسلوب الطرد الجماعي نحو العدم. هجرت السكان من قراهم إلى الصحارى القاحلة، حيث ماتوا جوعًا وعطشًا، وحيث دفنت الرمال الأطفال قبل أن يعرفوا معنى الوطن. فر بعضهم نحو دول الجوار، فيما بقيت العظام البيضاء شاهدة في رمال الجنوب على جريمة بلا قبر. ومن لجأ إلى الجبال، أُحرق مع أسرته حيًا داخل الكهوف. لم تميز النيران بين إمرأة وطفل، بين قطيع أغنام أو جسد إنسان كانت الإبادة جماعية.
معتقلات ومجازر إبادة
في زنازن الظلام كانت تعذيب الأجساد والذاكرة.. أقامت فرنسا مئات المعتقلات السرية والعلنية، حيث ألقي بالآلاف من الثوار والمناضلين رجالاً ونساء تحت سطوة المخابرات الفرنسية التي كثفت حملات المداهمة والتجسس. كانت القرى تُجرف تحت الشبهات، وتعتقل العائلات بالكامل بحثًا عن المطلوبين، وهناك في أعماق هذه المعتقلات مورست أبشع أساليب القهر لنزع الاعترافات: الصعق بالكهرباء، الاغراق، التسميم البطيء، الاعتداء الجسدي الوحشي، اغتصاب النساء، واجهاض الحوامل، حتى لفظ الكثير أنفاسهم الأخيرة تحت التعذيب بلا شاهد ولا شفيع.
ارتكب المستعمر الفرنسي مذابح لا تمحى من الذاكرة، ولا تبررها قوانين القرن التاسع عشر ولا دساتير القرن الحادي والعشرين. استخدمت الأسلحة الكيماوية، نفذت إعدامات ميدانية، وأقامت معتقلات امتلأت بالمواطنين الأبرياء والثوار والسياسيين والمفكرين والنساء الذين قضوا نحبهم تحت التعذيب، ورجال تُركت جثثهم لتموت في العراء. اعترافات النساء والناجين لم تكن مجرد شهادات، بل أدلة على أن الاستعمار كان مشروعًا للمحو الكامل، لا مجرد استعمار أراضٍ بل اغتيال تاريخ.
مجزرة الاغواط عام 1852، حيث أُبيد الآلاف بالقصف والغازات السامة، ومجازر (سطيف، قالمة، وخراطة) في مايو 1945، كانت صرخة الضمير المنسية في حضارة تدعي الإنسانية وترفع شعارات التنوير والمدنية.
سرقة الأرشيف
وفي موازة الحرب على الإنسان، شنت فرنسا حربًا على الذاكرة المادية. نهبت الآثار والمخطوطات وأحرقت المكتبات التاريخية، وهدمت المعالم الإسلامية، وتعرضت المدن الأثرية للتحطيم والخراب، وسرقوا مقتنيات الأرشيف الوطني الجزائري بكامل محتواه، ضمن مشروع لطمس الهوية، مايدل على وجود حضارة ضاربة في جذور التاريخ القديم.
لم يكتفِ المحتل بجرائمه بإبادة السكان وتهجيرهم، بل سرق رفات الشهداء. أخذ جماجم، وهياكل الثوار والمناضلين إلى المتاحف الفرنسية كأنها تذكارات استعمارية فأي بشاعة هذه في الجرائم الإنسانية. إلى اليوم مازالت الجزائر تطالب بعودة هياكل وجماجم شداءها لتدفنهم في ترابهم كما يليق بالشهداء.
المقاومة الوطنية
الجزائر لم تصمت كان الغليان في الافئدة والنفوس. لم تكن الثورة وليدة مفاجئة، بل كانت رد فعل متراكم لحالة قهر فادحة. فتشكلت حركة المقاومة من تيارات سياسية وجبهوية مسلحة كرد فعل شعبي لمقاومة المحتل بمختلف أشكال النضال السياسي والعسكري والثقافي، وكان من أبرز التيارات السياسية ” حركة الإصلاح والمساواة” التي نشأت سنة 1919 على يد الأمير خالد. والحزب الثوري الاستقلالي، وحزب نجم شمال إفريقيا بقيادة مصالي الحاج 1926، إلا أن هذا الحزب تم حله 1937 نتيجة برنامجه السياسي الذي يدعو إلى الاستقلال. ومن خلال وسائل ثقافية وفكرية بدءًا من الصحافة إلى النوادي الثقافية وجمعيات الكشافة الإسلامية الجزائرية بقيادة محمد بوراس.. عبد القادر الجزائري لم يكن فقط ثائرًا بل صدى الأرض حين تصرخ، ومثله الملايين الذين خرجوا من ظلمة المعتقلات ومن حطام القرى المحروقة. وجاءت ثورة التحرير الكبرى عام 1954 تتويجًا لقرن من النزيف. مصطفى بن بولعيد، العربي بن مهيدي، ديدوش مراد، جميلة بوحيرد، زيغود يوسف، وآلاف غيرهم، كانوا أصواتًا خرجت من قلب النار. سبع سنوات ونصف من المقاومة المسلحة، دفعت فيها الجزائر مليون ونصف مليون شهيد، لتنال استقلالها في 5 يوليو 1962. لم يكن الاستقلال نهاية الطريق بل بداية استعادة الذاكرة، ومن رحم الوجع تشكلت الجبهات، ومن فم الجرح خرج النداء: الحرية لا تتجزأ، والعدالة لا تسقط بالتقادم.
عودة الذاكرة
اليوم، تعود الذاكرة بقوة القانون. فالدولة الجزائرية وهي تتقدم بمقترح قانون يهدف إلى تجريم الاحتلال، لا تطالب فقط بحقوق رمزية أو اعتذارات مجاملة، بل تُعلن أن العدالة التاريخية هي جوهر السيادة. هذا القانون لا يسعى إلى الانتقام، بل إلى التحرير الرمزي المتأخر. هو ليس رصاصة ضد فرنسا، بل مرآة تُجبرها على النظر في ماضيها.
وفي خلفية هذا التحرك، تبرز التحولات العالمية التي ترفع لواء “العدالة الانتقالية”، وتطالب برد الحقوق التاريخية لشعوب سُحقت تحت أقدام الإمبراطوريات. من الهند إلى كينيا، من الهنود الحمر إلى ضحايا الرق، إلى إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. تتجه البشرية إلى مساءلة تاريخها الأسود.
وفي هذا السياق، تتحول الجزائر إلى نموذج للدولة التي تكتب ذاكرتها بقلم القانون، لا بمداد التنازلات.
ولئن كان القانون لا يملك آلية تنفيذ فورية بحق فرنسا، فإن قيمته تكمن في رمزيته السيادية، في إعادة الاعتبار للضحية، وفي تأسيس خطاب قانوني عربي وإفريقي حول الجرائم الاستعمارية. وحين تقول الجزائر: الاحتلال كان جريمة، فهي لا تطلب إذنًا من أحد، بل تُملي الحقيقة من موقعها كضحية أدركت أن الصمت لا يصنع التاريخ.
يستند هذا المسار إلى الإرث القانوني الدولي، بدءًا من محاكم نورمبرغ، إلى قضايا رواندا ويوغوسلافيا، حيث ثبت أن غياب النصوص القانونية لا يمنع إدانة الجرائم طالما كانت الأفعال في حد ذاتها “جرائم بطبيعتها”.
فالاحتلال ليس فقط سلوكًا سياسيًا، بل سلوك إجرامي يستوفي عناصر الجريمة ضد الإنسانية، وإن لم يكن القانون الدولي قد صاغه بعد في لحظة ارتكابه.
فرنسا، إذًا، لم تكن مجرد قوة أجنبية، بل كانت نظامًا قمعيًا بنيويًا، تعامل مع الجزائري كهدف للترويض أو الإبادة، لا كمواطن. والتفجيرات النووية في “رقان” و”إنكر”، والتهجير إلى “كاليدونيا” الجديدة، وطمس الأوقاف الإسلامية، وسرقة أرشيف الجزائر، ليست وقائع معزولة، بل نمطًا من الاحتلال القائم على نزع السيادة التامة.
وإذ يطالب المشروع القانوني الحالي بإدراج هذه الجرائم في الذاكرة التربوية، والمناهج التعليمية، ومتاحف الدولة، فإنه لا يحيي الماضي بل يُنجز فعلاً مستقبليًا، يُحول الجرح إلى سردية وطنية، ويوحد الذاكرة حول رؤية ناضجة للهوية والتاريخ.
لم يعد ممكنًا للخطاب الاستعماري أن يختبئ خلف أسطورة “الدور الحضاري”. فمشروع قانون تجريم الاستعمار يُعيد بناء سردية جزائرية مستقلة، لا تتوسل الاعتراف، بل تفرضه كحقيقة وجودية، وكضرورة قانونية، وكشرف وطني لا يُساوم عليه.
وبهذا، لا تعود العدالة مطلبًا قانونيًا فحسب، بل تصبح ممارسة سيادية، ومصالحة مع الذات، وموقفًا أخلاقيًا من العالم.
2025-05-25