الموت الرحيم؟ أم قنبلة ذرية على الضمير البشري؟!
بقلم: نضال بن مصباح | ساحة التحرير
“اقصفوهم بقنبلة نووية”… هكذا قالها عضو الكونغرس الأمريكي راندي فاين بلا تردد، وهو يقارن المدنيين في غزة بهيروشيما، مستحضرًا المجازر الذرية كأنها وصفة لإنهاء “الثقافة الشريرة” لدى الفلسطينيين… تلك الثقافة التي ترفض الركوع.
قالها، والعالم لم يتخذ إجراءً حقيقيًا.
لم تسحب “فوكس نيوز” المقابلة.
لم يدنه الكونغرس.
ولم تستنفر الأمم المتحدة لوقف هذا التحريض السافر على إبادة جماعية.
ومع أن الفكرة فظيعة، إلا أنها تكشف مرارة الواقع.
في غزة، يجتمع الناس في غرفة واحدة أثناء الغارات، لا بحثًا عن الأمان، بل خشية أن يتحوّلوا إلى أشلاء متناثرة لا تُعرف هويتها.
حتى في موتهم، يُحرم الفلسطينيون من أبسط حقوق الوداع؛ فبعضهم يحفر بأظافره مقابر جماعية تحت الأنقاض، في مشهد يقلب الأحشاء، ويكشف أن الجحيم ليس ناريًا فحسب… بل يوميًا، متواصلاً، بطيئًا، لا يمنحهم فرصة للحزن أو التنفس.
حين يقترح فاين “موتًا نهائيًا بقنبلة واحدة”، فإنه – دون قصد – يُلخّص جحيم غزة الطويل في “موت رحيم” يُنهي العذاب دفعة واحدة، بدل نيران القصف المجزأ التي تسرق الأرواح على دفعات.
لكن ما هو الجحيم حقًا؟
ليس القنبلة النووية وحدها…
بل ذلك الحصار الذي يحوّل الخبز إلى حلم، والماء إلى ترف، والهواء إلى مهرب مشترك مع الموت.
جحيم أن ترى أطفالك يتنفسون الرعب، ويلتحفون الغبار، ويتعلمون العد من خلال أسماء الشهداء.
جحيم أن تُخيّر بين أن تموت الآن… أو بعد قليل.
وفي قلب هذا الجحيم، تتجلى فواجع تقشعر لها الأبدان.
اهتزت القلوب لقصة الطبيبة د. آلاء النجار في مستشفى ناصر، التي بينما كانت تسعف الجرحى وتداوي أشلاء الآخرين، صُدمت بأشلاء أطفالها الثمانية، محترقين أمامها كأن الموت أراد أن يختصر الجحيم في لحظة واحدة.
أي أم تلك التي لا تتمنى لو أنها تفحمت معهم، فرارًا من هذا الكابوس الذي لا ينتهي؟
وأمام هذه المشاهد، تعجز لغتي عن حمل ثقل الحزن، ولم استطع ترتيب الجمل أمام فوضى الألم.
أي ضمير هذا الذي يناقش “وقف إطلاق النار” بينما تُباد أمومة كاملة بلحظة قصف؟
غزة ليست هيروشيما…
غزة تُقصف كل يوم، وتُدفن كل ساعة، وتموت على قيد الحياة،لكنها لا تركع.
ولن تقبل الاستسلام “غير المشروط” كما طلب فاين.
فلسطينيو غزة سيبقون واقفين في ركامهم، يقاومون بالدم والدمع، يكتبون بالرماد أسماءهم على جدران الذاكرة.
لن يكونوا أرقامًا في سجلات الأمم، بل رايات في ضمير الإنسانية – إن بقي لها ضمير حي.
وغدًا، سيبصق التاريخ في وجه كل صامت ومتواطئ.
وسيتذكر الناس قول راندي فاين لا كتصريح عابر، بل كوثيقة إدانة لثقافةٍ سياسية تنظر للإبادة كحل أخير.
فلا تُكثروا من الحديث عن “الموت الرحيم”، ما دمتم أنتم القتلة.
غزة لا تطلب الشفقة… بل تطالب العالم أن ينزع قناعه، ويواجه صورته البشعه في مستنقع الدم.
2025-05-24
