الخروج الأول (1978): الوداع المعلق على عنق الوطن(1)!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي*
لم يكن عام 1978 مجرد رقم في دفتر الغربة، بل كان بداية الطعنة الأولى في خاصرة الروح. كنت قد حصلت على زمالة دكتوراه من الحزب الشيوعي العراقي للدراسة في الاتحاد السوفيتي، زمالة لم تباركها الدولة رسميًا، بل اعتبرتها تمردًا يستوجب السجن سبع سنوات لمن يغادر دون إذن. وصلت موسكو، غير أن التخصص الذي رشحت له كان مختلفًا عن ذلك الذي نذرت له نفسي. لم أتردد كثيرًا. رفضت البقاء، وعدت مجازفًا إلى العراق، وأنا أعلم تمامًا أن العودة قد تكون بلا رجعة.
أعدت الاندماج في عملي في البنك المركزي العراقي، في مديرية التفتيش، حيث كنت مسؤولًا عن تدقيق الحسابات والملفات المالية. كان كل شيء يبدو طبيعيًا على السطح، لكني كنت أستشعر ريح الخطر تهب نحوي من الجهات الأربع. كانت حملات الاعتقال والاختفاء تلاحق اليساريين، وكانت بغداد قد تحولت إلى حقل ألغام أمني.
غيّرت سكني تحسبًا، وانقطعت عن كافة الأنشطة السياسية. ورغم هذا، لم تكن العزلة درعًا كافيًا. صديقي القديم، موظف في البنك وعضو في حزب البعث، جاءني هامسًا: “خذ حذرك… هناك تقارير ضدك، واسمك يتردد في أروقة الأمن… قد تُعتقل قريبًا”.
لم يكن أمامي سوى الهروب مجددًا، فطلبت إجازة بدون راتب، واستخرجت وثيقة سفر إلى سوريا. بمساعدة أمي، تلك السيدة العظيمة التي خبأت جواز سفري في مكان لا يخطر على بال، استأجرنا سيارة خاصة، وانطلقت بنا نحو الحدود. عند النقطة العراقية، نسّقت والدتي مع أحد الضباط، فمررونا دون ختم، وتكرر الأمر عند الجانب السوري، لقاء مبلغ مالي رتّبته والدتي بمهارة فائقة.
دخلت سوريا بلا أثر رسمي، ونزلنا في فندق بدمشق، لا أذكر اسمه، لكني لن أنسى وجوه القلق في لوبي الاستقبال. التقيت بأحد الرفاق السوريين، شرحت له وضعي، فقال: “أنت بحاجة لختم دخول على جوازك، وإلا فلن تغادر هذه البلاد أبدًا”.
حدّد لي موعدًا غريبًا في ساحة المرجة: “تحمل كيسًا أسودًا فارغًا، وفي يدك الأخرى ربطة فجل. هناك من سيقترب منك ويسألك: ‘أتحب سيارات بغداد؟’، فإذا أجبت بكلمة السر، ستسلمه الجواز والمبلغ”.
ذهبت في اليوم الأول، والثاني، والثالث… ولا أحد اقترب. كنت أختنق من القلق، ولا أعرف كيف أستعيد الاتصال بمن رتب لي هذا اللقاء، فلا عنوان لديّ ولا رقم هاتف. ولأستعيد أنفاسي، صعدت إلى بار شعبي في زقاق ضيق مليء بمحلات الخضار. طلبت نصف ربع عرق وبعض الطعام. وحين ناديت على النادل لدفع الحساب، أشار إلى رجل يقترب مني، وقال: “حسابك مدفوع”.
اقترب الرجل وسألني سؤال “الاتصال”، فأجبت. قال بهدوء: “حضرت في الأيام الثلاثة الماضية، لكني خشيت أن تكون مراقبًا. هؤلاء يترصدونكم في دمشق كما في بغداد”. سلّمته الجواز والمبلغ، واتفقنا على أن نلتقي في نفس المكان بعد ثلاثة أيام.
عدت إلى الفندق، حيث كانت أمي تنتظرني وعيناها تغليان بقلق أمهاتنا. أخبرتها بما جرى، فارتاحت قليلًا، ثم أمضينا الأيام الثلاثة نكتشف دمشق. مدينة مبهرة، جميلة، بطيبة ناسها، وأسواقها الحارة بأصوات الباعة والذاكرة. كانت أمي تبكي حينًا، وتشدّ على يدي أحيانًا أخرى. امرأة لم تتعلّم في المدارس، لكنها قرأت العالم بقلبها، وعرفت أين يسكن الخطر.
في الموعد المحدد، عاد الرجل، سلّمني الجواز مختومًا بتأشيرة دخول. لم أضيّع دقيقة، وذهبت لحجز تذكرة إلى براغ، وقد تولى مكتب السفر استخراج الفيزا السياحية مقابل مبلغ مالي.
أصرّت أمي على مرافقتي إلى المطار. أردنا أن نعيد تمثيل مشهد الوداع في صمت، داخل السيارة نفسها التي أقلّتنا من بغداد إلى دمشق. حين وصلنا، تعانقنا، وقالت لي والدمعة في عينها:
“لا ترجع يا ابني… هذولا مجرمين، يتربصون بكم، أنتم الوطنيين.”
ركبت الطائرة، وكل ما فيّ ينزف. كنت أعلم أن خروجي هذه المرة ليس كسابقه. كنت أخلّف خلفي أمّي، وطفولتي، وبيتي، ووطني، وأتقدّم نحو مستقبل مجهول في بلاد لا أعرفها. هكذا بدأت رحلة الغربة، حبلى بالألم، مثقلة بالأسئلة، ومفتوحة على مصير لم أكن أملك ترف اختياره
يتبع
2025-05-14