خلاف طرامب و نتنياهو دون تهويل أو تقليل!
هاني عرفات
لا يمكن التقليل أو التهويل ، من مؤشرات انحدار العلاقات ما بين طرامب ونتنياهو، فمن ناحية الإشارات على هذا الخلاف قوية ، لكن من ناحية أخرى فإن الأمر يتعلق بخلاف ما بين الرجلين وليس البلدين ، وسوف أحاول أن أوضح الفرق بين الأمرين لاحقاً.
من تتبع بدقة، مسار العلاقة بين نتنياهو و طرامب منذ إعادة انتخاب الأخير ، كان لا بد يدرك أن الأمور تنحدر بينهما جنوباً رويداً رويداً.
بالنسبة لأنصار اليمين الاسرائيلي المتطرف ، كانوا يعتبرون أن إعادة انتخاب طرامب رئيساً للولايات المتحدة ، في ( وقت الحسم التاريخي هذا) هو الحلم والفرصة المنتظرة للإجهاز مرة وللأبد على الشعب الفلسطيني.
إلى حد ما ، كان لديهم حق في هذا التفاؤل المفرط ، لكنهم كانوا يرون فقط النصف الفارغ من كوب طرامب .
دعونا نؤكد على بعض الحقائق في العلاقة الاميركية الاسرائيلية:
امريكا دولة عظمى ، و إسرائيل جزء من الأمن القومي الحيوي لأميركا، لكن هذا ليس كل شئ ، إسرائيل ليست مجرد دولة أجنبية حليفة لأميركا، إسرائيل قد تكون الدولة الوحيدة في العالم ، حتى من بين حلفاء أميركا الموثوقين ، التي لديها قدرة على العمل في داخل أمريكا، و بموافقة ضمنية من أميركا نفسها ، بهدف التأثير على التوجهات السياسية الاميركية. يتبدى ذلك في كثير من المجالات ، الايباك هو فقط رأس جبل الجليد ، أما الثقل الحقيقي فتتسع قاعدته السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية والأكاديمية ، و العلاقات الخاصة إلى أبعد الحدود.
لكن هذه المنظومة ، لا ترى بالضرورة أن مصلحة إسرائيل تتمثل فيما يراه نتنياهو.
في الحقيقة أن جزء كبير من هذه المنظومة ، يختلف تماماً مع نتنياهو في رؤيته ، لأن هؤلاء يريدون أن تكون مصلحة إسرائيل متلائمة مع مصالح أميركا الشاملة ، وليست متعارضة معها.
هذا لا يمنع أن يحدث احياناً ، أن يفرض نتنياهو أجندته على الادارة الاميركية ، في لحظات معينة حينما تكون الادارة ضعيفة لأسباب داخلية ، كما حدث في عهد بايدن ، وكما حدث أيضاً في عهد أوباما.
الأمر مختلف مع طرامب، الذي يتمتع بسيطرة شبه مطلقة على تفرعات الحكم ، كما أنه من الصعب مهاجمة صداقته لإسرائيل، وهو الرئيس الاميركي ، الذي استطاع فعلياً نقل السفارة الاميركية للقدس المحتلة ، وأعترف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة، وهو الذي نقض الاتفاق النووي مع إيران ، وهو الذي جر عدداً من الدول العربية لاتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، دون أن تدفع إسرائيل أي ثمن في المقابل.
طرامب هو أقصى اليمين الأميركي، وكلمته مسموعة أكثر من نتنياهو، في اوساط المحافظين المسيحيين الإنجيليين، الأكثر تأييداً لإسرائيل في أمريكا.
لنعد إلى البداية ، هناك اختلاف واضح في الرؤية ما بين الرجلين ، وليس بين البلدين ، الاختلاف يتمحور حول طريقة نتنياهو في إدارة الأمور، نتنياهو بتقدير طرامب وجزء واسع من أنصار إسرائيل في اميركا ، لم يعد يعمل لصالح (الأجندة الصهيونية الحقيقية) بل لصالح أجندة بقائه في الحكم و الهروب من السجن.
طرامب لم يكن ليمانع في ذلك أصلاً ، ولكن ليس على حساب المصالح العليا لأميركا وإسرائيل، وفي الحقيقة فإنه أعطى نتنياهو عدة فرص لتحقيق ذلك والبقاء في الحكم ، لكن نتنياهو أخفق فيها جميعاً ، بل و حاول الالتفاف على طرامب للهروب من الاستحقاقات، بدل أن ينصاع لها ، وهو الأمر الذي حدا بطرامب لأن يقوم بعدة خطوات و تصريحات علنية، تظهر حجم الخلاف بينهما. هذا ما حصل حينما بدأ مفاوضات أميركية ايرانية دون إعلام الحكومة الاسرائيلية، و حينما توصل لاتفاق مع اليمن لا يشمل إسرائيل ، وعندما فاوض حماس بشكل مباشر.
الاستفادة من هذا الوضع الفريد مطلوبة، لكن لا يجوز بأي حال المبالغة في تقدير حجم الخلاف ، فهو خلاف بسبب انحراف نتنياهو عن الأهداف المشتركة لإسرائيل وأمريكا ، وليس خلاف على هذه الأهداف، كما أن نتنياهو لا زال يحتفظ بعدد من الأصدقاء في حاشية طرامب المقربة ، والتي قد يسخرها لإعادة ترميم العلاقة. و بالمناسبة هم ليسوا الاصدقاء الوحيدين لنتنياهو ، هناك أصدقاء عرب له أيضاً ممن سوف يلتقيهم طرامب ، أثناء زيارته المقررة للخليج.
كما أن نتنياهو قد يقدم على مغامرة ما ، من أجل اعادة خلط الأوراق، من هنا جاء التحذير الأميركي لإسرائيل، بعدم القيام بأي مفاجآت قبيل زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة.
مع الأسف أن الظرف الناشئ ، لا يتيح المجال لوضع مقاربة سياسية لحل شامل ، لكن تظل المهمة الأولى الآن هي وقف المجازر ، وإيصال المساعدات لغزة، و وقف التهجير ، قد يكون الثمن مرتفعاً لكنّه يستحقّ.
أظن أن حكام السعودية ، وبعد التغيرات التي نشأت في المنطقة، أكثر رغبة في عودة الهدوء إلى المنطقة، و على أي حال فإنه من المستحيل البدء في مشاريع سياسية أو اقتصادية ، طالما استمر العدوان على غزة.
أما فلسطينياً ، فلا بد من توحيد الخطاب السياسي على أقل تقدير ، على الجميع أن يدرك أنه لم يعد هناك مجال لنجاة فردية، و أن نتنياهو سوف يغرق و يُغرق من يركب معه في نفس القارب.
طرامب يفضل أن يتعامل مع من يمتلك القوة على الارض، وكما رأينا قبل ذلك ، فإنه على استعداد لتجاوز الخطوط الحمر، إذا ما رأى هناك مصلحة له في ذلك ، حصل ذلك حينما التقى الرئيس الكوري الشمالي، و عندما طرد زيلينسكي، وعندما توصل لاتفاق مع اليمن ، وأيضاً حينما حاور حماس بشكل مباشر.
2025-05-10