عزيز الحاج: بين الحلم الثوري والانكسار السياسي!
(قراءة في تجربته وأثره على الحزب الشيوعي العراقي)
بقلم البرفيسور وليد ناجي الحيالي
في تاريخ الحركات الثورية، تتجسد أحيانًا المأساة بشخص واحد.
عزيز الحاج، المناضل الشيوعي الذي لمع اسمه في الخمسينات، ثم انهار تحت ضربات الواقع القاسي، هو واحد من هؤلاء الذين تحولت حياتهم إلى مرآة تعكس صعود اليسار العربي وانكساره.
ولد عزيز الحاج سنة 1924 في مدينة الكاظمية لعائلة كردية فيلية. منذ شبابه، انخرط في صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1946، وسرعان ما أصبح من أبرز كوادره النشطة. اعتقل عدة مرات بسبب نشاطه السياسي، أبرزها بعد “انتفاضة الوثبة” عام 1948، حيث حكم عليه بالسجن المؤبد وقضى سنوات طويلة في سجون النظام الملكي القاسية.
مع اندلاع ثورة 14 تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، أُطلق سراحه، فعاد إلى النشاط السياسي بحماس متجدد. أرسل إلى موسكو وبراغ ممثلًا الحزب في الصحافة الشيوعية العالمية، مما أكسبه خبرة دولية واسعة وأسهم في صقل شخصيته القيادية.
لكن مع تقدم عقد الستينات، بدأت الخلافات الفكرية والسياسية تهز أركان الحزب. انتقد الحاج ما رآه تخاذلًا من القيادة الرسمية للحزب، وبدأ يطرح ضرورة تبني الكفاح المسلح كوسيلة للتغيير. وفي عام 1967، أسس مع مجموعة من رفاقه:
“الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية”
هذا الفصيل الجديد تبنى منهج “الحرب الشعبية الطويلة الأمد”، مستلهمًا تجربة الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ. دعا الحاج إلى بناء قواعد ثورية في الأرياف العراقية وإطلاق عمليات مسلحة ضد النظام البعثي، الذي كان قد استولى على السلطة عام 1968.
منذ البداية، وجدت “القيادة المركزية” نفسها محاصرة بين نارين: قمع البعث الشرس، والانقسامات الداخلية الناتجة عن قلة الخبرة وغياب الدعم الشعبي الكافي. ورغم تنفيذ بعض العمليات المحدودة، فإن المشروع كان معزولًا وضعيفًا.
في شباط 1969، ألقي القبض على عزيز الحاج مع أبرز قادة فصيله. تحت وطأة التعذيب القاسي، انهار الحاج نفسيًا وخرج عبر شاشات التلفزيون ليقرأ بيانًا يحث فيه رفاقه على “التوبة” ووقف العمل المسلح.
كان هذا المشهد صادمًا لمجمل الحركة الشيوعية العراقية والعربية، حيث سقط رمز من رموز العمل الثوري أمام أنظار الجميع.
انهيار عزيز الحاج وتفكك فصيله تركا آثارًا خطيرة على اليسار العراقي. فقد عزز من تفكك الحركة الشيوعية وزاد من حذر الجماهير تجاه مشاريع التغيير الجذري. كما منح النظام البعثي ذريعة قوية لضرب المنظمات الثورية بعنف أكبر، مستغلًا حادثة انهيار الحاج كسلاح دعائي.
فكريًا، كان هناك فرق جوهري بين منهج الحاج ومنهج الحزب الشيوعي الرسمي بقيادة عزيز محمد.
فبينما كان الحاج يدعو إلى الكفاح المسلح والثورة الريفية متأثرًا بالنموذج الصيني (ماو تسي تونغ)، كان الحزب الرسمي يتمسك بالعمل السياسي العلني والتحالفات، مستلهمًا خط السوفييت الماركسي اللينيني التقليدي. كما أن الحاج ركز على استنهاض الفلاحين بوصفهم القوة الثورية الأساسية، بينما واصل الحزب الرسمي تركيزه على الطبقة العاملة والطبقات الوسطى المدينية.
بعد الإفراج عنه، قضى عزيز الحاج بقية حياته في المنفى، متنقلًا بين عدة دول أبرزها فرنسا. حاول من خلال كتابه “سيرة ومسيرة” تقديم مراجعة ذاتية لتجربته السياسية، مبررًا انهياره بما تعرض له من تعذيب شديد، إلا أن نقاده اعتبروا أن تفسيره بقي دون مستوى المساءلة الذاتية العميقة المطلوبة.
كتب الحاج في سنواته الأخيرة مقالات نقدية عن الفكر الشيوعي العربي، معتبرًا أن الجمود العقائدي، والاعتماد الأعمى على تجارب أجنبية، وعدم فهم خصوصيات المجتمع العراقي، كانت من الأسباب الرئيسية لفشل المشاريع الثورية.
رغم النهاية المأساوية، يبقى عزيز الحاج شاهدًا مركزيًا على مأساة اليسار العراقي: الحلم بالتغيير الجذري الذي تحطم أمام جدار الاستبداد والانقسامات الداخلية.
توفي الحاج في باريس عام 2020، بعد مسيرة سياسية حافلة بالتقلبات، مثّل فيها في آن واحد صورة المناضل الطامح إلى التغيير ورمز الانهيار تحت ضغط القمع العنيف.
هكذا طويت صفحة عزيز الحاج:
صفحة تجمع البطولة والمأساة، كما تجمع الأحلام المجهضة والندم الذي يأتي متأخراً.

2025-05-05