غزة… ماذا بعد؟
سعادة مصطفى أرشيد*
تفاءل بعض منّا من أصحاب النفوس الطيبة والرغبوية في قراءة السياسة اثر زيارة نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض على قاعدة أنّ دونالد ترامب قد همّش نتنياهو في اللقاء المشترك مع الصحافيين وأنه قال إنّ هذه الحرب يجب أن تنتهي بسرعة، ولكن فاتت أولئك المتفائلين القدرة على الترجمة السياسية لكلام دونالد ترامب والذي يعني أنه يعطي نتنياهو مزيداً من الدعم والاستعجال في حسم الحرب وعلى عدم الخشية من عواقب إراقة مزيد من الدماء أو إزهاق الأرواح بما يمكن أن يقدّم له من غطاء سياسي أو قانوني، وبذلك فهو تحريض على الاستمرار بالحرب وتحقيق أهدافها بطرد أهل غزة وقتل مَن لا يريد الهجرة منها.
هذا ما عدنا وشاهدناه بعد عودة نتنياهو من واشنطن حيث لم يُبدِ تردّداً في الاستجابة لتعليمات دونالد ترامب أو تقصيراً في إنجاز المهمة التي لم تعُد بذلك (إسرائيليّة) فقط وإنما أصبحت أميركية بالدرجة الأولى، فاحتلّ مزيداً من الأرض وقتل مزيداً من الناس في حين لا تزال غزة صامدة برغم ما أصابها من ضعف ووهن وهي تقول لا وتقابل رفض نتنياهو لمطالبها برفضها لشروطها.
ماذا بعد؟ وإلى متى تستطيع المقاومة البقاء والاستمرار في حربها بما تبقى لها من إمكانيّات ضعيفة وذخائر في طريقها للنفاد ونصير أصبح يعاني من عدم قدرته على إسنادها (مع استثناء اليمن)؟
المقاومة هي قرار وفكرة وعقيدة قبل أيّ شيء آخر ومهما بلغت من الضعف ومهما تناقصت ذخائرها إلا أنّ في جعبتها قليل القليل مما يؤكد وجودها ويشاغل الاحتلال ويشعره بأنها مستمرة، فـ (الإسرائيلي) يتحدّث يومياً عن حدث أمني صعب تعرّضت له قواته في غزة، ويعاني من كمائن المقاومة. وهذا كافٍ في ظلّ ظروف التردّي التي تحيط بها فلسطينياً وإبراهيمياً ودولياً.
ماذا بعدُ وإلى متى يستطيع أهل غزة البقاء والصمود والذين أصبحوا بلا بيوت ولا يجدون سقفاً يستظلّون به من شمس أو برد، ولا يوجد أحد منهم لم يفقد أعزاء وأحبة؟
أهل غزة قد بذلوا باللحم الحيّ ضريبتهم وما زالوا، قد يقول البعض إنّ هناك هجرة من غزة وإنّ أهل غزة قد ضعفوا وإنهم ينتظرون نهاية الحرب، هذا أمر طبيعي ومفهوم ولكن ما هي نسبة الهجرة من غزة وكم أعداد مَن غادر؟ صاحب هذه المقالة لا يملك معلومات دقيقة للإجابة على هذا السؤال، ولكن يستطيع أن يؤكد أنّ الغالبية من أهل غزة ما زالوا ينتقلون من مكان إلى مكان داخل حيّزهم الضيق ولا يغادرون إلى خارجه وإنْ حصلت هجرات فمهما ما بلغ عدد المهاجرين سيبقى الباقون هم الأكثر.
ماذا بعدُ؟ إلى متى يستطيع نتنياهو الاستمرار في مجازره وقتله وإلى متى سيبقى مستجيباً لغرائزه وغرائز شركائه في الحرب من غرب وعرب وكلّ هؤلاء يستعجلونه لإنهاء العمل وإنجاز المهمة؟
مما لا شك فيه أنّ (إسرائيل) الدولة والمشروع المعادي يحقّق نجاحات وإنجازات على الصعيد الإقليمي، وفي الضفة الغربية لا نتيجة لجهد بذلته الدولة، وإنما أولاً لتخاذلنا، وثانياً بسبب حجم التآمر الدولي والعربي على الشام ولبنان وإيران واليمن، وقد وصل مرحلة التحكّم في الأجواء السورية عندما منع الرئيس الفلسطيني من الذهاب لدمشق جواً، ولكن مع ذلك فالدولة تعاني على جبهتين هما الأهمّ جبهة غزة التي تحدّثت عنها المقالة آنفاً، والجبهة الداخلية حيث تعصف بها الصراعات وهناك جمهور واسع متفق مع المعارضة على خصومة نتنياهو وحكومته، ولكنهم يتفقون مع سياساته العامة تجاه غزة خصوصاً وفلسطين عموماً، والإقليم بشكل أعمّ، كما تفتقر (إسرائيل) الدولة لبديل قيادي يوازي نتنياهو أو يقاربه في هيبته أو قدراته وهو الذي استطاع أن يشطب الجميع في بيئته وجعل من كلّ شخصيات المعارضة شخصيات هامشية.
ثمّة نظريتان يتداولهما العقل السياسيّ والأمني (الإسرائيلي) الأولى تقول إنّ الجيش وإدارة الحرب لم تحقق النجاح المطلوب، فالمقاومة لا زالت تجدّد قواها والأنفاق لم يُدمّر منها إلا القليل، لذلك تجب مواصلة الحرب لتحقيق الأهداف، والنظرية الثانية تقول لقد تحقق الكثير من الأهداف ولم يبق إلا القليل وعلينا الاستمرار بالحرب لتحقيقه، وفي الحالتين الحرب مستمرة.
كان الله في عون غزة وأهلها، الأيام صعبة وقاسية في المدى القصير، لكن ما الشجاعة إلا صبر ساعة، ولم يبقَ إلا القليل، ولنا أن نتفاءل في المدى المتوسط والبعيد.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير
جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-04-24
