الحرب الأوكرانيّة:مكالمة بوتين-ترامب قلصت الفجوة، لكن الأوروبيين يحاولون افساد الحفل!

سعيد محمد*
في أول إشارة على نجاح المكالمة الهاتفيّة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في تقليص الفجوة بشأن التوصل لتسوية حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، قال الإعلام الروسيّ بأن بوتين أمر بتعليق الضربات الروسيّة على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا لمدة 30 يوماً.
وقال متحدث باسم الكرملين إن الرئيس الروسي أعطى “رد فعل إيجابي” على اقتراح نظيره الأمريكي دونالد ترامب بوقف الهجمات في مكالمتهم الهاتفية (الثلاثاء)، وقد أصدر أوامر للجيش الروسيّ لتنفيذ ذلك، فيما وصف ترامب المحادثات عبر موقع تروث سوشال بأنها “جيّدة للغاية، ومثمرة”، مشيراً إلى أنّه تم التداول بالعديد من عناصر التوصل إلى تحقيق السلام، وأن العملية انطلقت الآن بكامل قوتها وتأثيرها، ونأمل أن ننجز المهمة من أجل الإنسانية.”
ومن المتوقع الآن أن تجري محادثات أمريكيّة-أوكرانية في جدة بالملكة العربية السعودية بعدما أصبحنا “على مسافة قصيرة نسبياً من وقف إطلاق النار الكامل” وفق عضو الوفد الأمريكي للمفاوضات مع روسيا، ستيف ويتكوف.
لكن مراقبين قالوا إن بوتين لم يتبن الاقتراح الأمريكي الذي وافقت عليه أوكرانيا خلال اجتماع جدّة الأسبوع الماضي ويتضمن وقفاً غير مشروط لإطلاق النار لمدة 30 يوماً، وعرض بالمقابل وقفاً جزئياً يتعلق بعدم استهداف محطات الطاقة خلال تلك الفترة وهو ما يبدو أن ترامب قبل به. وعُلم أن بوتين سلط الضوء لمحدثه الأمريكي على عدد من المسائل الأساسية للتوصل إلى تسوية مستدامة – ومن بينها ألا تصبح أوكرانيا عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ونبه إلى المخاطر الجسيمة التي قد يحملها عدم التزام كييف بالتفاهمات.
ولاحقاً علق المتحدث باسم الكرملين على ادعاءات أوكرانية بشن روسيا هجمات على محطات للطاقة بعد مكالمة الرئيسين ترامب-بوتين بقوله إن ذلك يظهر بجلاء “افتقار كييف إلى الإرادة للتوصل إلى اتفاق، وسعيها لتخريب المفاوضات”، ما من شأنه أن يدعو للقلق – على حد تعبيره -.
وتقصّد المتحدث الإشادة ب”خطط تطبيع العلاقات خطوة بخطوة مع الولايات المتحدة ذات الإمكانات الهائلة في المشاريع التجارية المشتركة”، قائلاً إن بوتين وترامب “يفهمان بعضهما البعض جيداً، والثقة بينهما متبادلة”، وكشف عن خطط لمزيد من الاتصالات بينهما سيتم جدولتها خلال اليومين القادمين.
على أن هذه الأجواء (الايجابيّة) التي رحبت بها الصين – على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية ماو نينغ إن – واعتبرتها “خطوة ضرورية نحو تحقيق السلام” جوبهت أوروبيّاً بالتعنت، وبتشكيك في النوايا الروسيّة، وبتساؤلات حول الغرض من وقف النار الجزئي، وترددت لازمة واحدة على لسان عدد من القادة الأوروبيين مفادها بأن الرئيس الروسي لا يبدو جاداً في السعي للتوصل إلى تسوية للنزاع المستمر منذ ثلاث سنوات.
وقال وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال الألمانية بوريس بيستوريوس في مقابلة تلفزيونيّة: “إن الهجمات على البنية التحتية المدنية الأوكرانية في الليلة الأولى بعد هذه المكالمة الهاتفية – التي يفترض أنها كانت بناءة وحسنة – لم تهدأ”، معتبراً أن “بوتين يلعب لعبة هنا، وأنا متأكد من أن الرئيس الأمريكي لن يكون قادراً على مجرد الجلوس والمتابعة لفترة أطول”.
وقال بيستوريوس إن التزام بوتين بوقف الهجمات على محطات الطاقة “لا قيمة عمليّة له، لأن هذه البنية التحتية في أوكرانيا هي بالفعل “الأفضل حماية”، ووصف اشتراط موسكو الوقف التام للدعم العسكري والاستخباراتي الغربي للجيش الأوكراني من أجل إطلاق عملية التوصل إلى تسوية بأنه “غير مقبول”.
وأكد المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلديهما سيواصلان إرسال المساعدات العسكرية إلى نظام كييف، وقال شولتس: “يمكن لأوكرانيا الاعتماد علينا”. وأشارت مصادر دفاعية بريطانية إلى أن امدادات الأسلحة والتدريب البريطاني للقوات الأوكرانية – التي تبلغ قيمتها 4.5 مليار جنيه إسترليني هذا العام – سيستمران كالمعتاد، ولن تتوقف لمجرد أن موسكو طالبت بذلك. كما رفض الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، الذي استضاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العاصمة هلسنكي شرط موسكو وقال في مؤتمر صحفي رفقة ضيفه: “لأوكرانيا حق لا يمكن إنكاره في الدفاع عن نفسها بمفردها، وبدعم من شركائها، ولا يمكن تقييد هذا الحق بأي شكل من الأشكال، لا الآن، ولا في المستقبل”.
وقللت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، من أهمية التفاهم الأميركي-الروسي قائلة بأنه من الجليّ أن موسكو لا تريد تقديم أي نوع من التنازلات، وأن اشتراطها وقف تسليح كييف لا يمكن قبوله. وكذلك فعل وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس الذي صرّح في مقابلة إذاعيّة بأنه “لا توجد إرادة حقيقية من بوتين لوقف هذه الحرب”.
من جهته، قال زيلينسكي في معرض تعليقه على الهجمات الليلية التي شنتها درونات روسيّة بعد انتهاء مكالمة الرئيسين الأمريكي والروسي بقليل: “ادعاءات بوتين مختلفة تماماً عن الواقع”، وأن هذه التطورات شددت على أهمية تقديم مزيد من “الدعم الدفاعي والدعم الجوي” لبلاده كي يتسنى لها الدفاع عن نفسها، والحاجة إلى “آلية تحكم” لمراقبة وقف ممكن لإطلاق النار.
وقال الرئيس الأوكراني المنتشي بالدعم الأوروبيّ إن الوحدة بين الحلفاء والجهود المشتركة لممارسة المزيد من الضغط على موسكو “ضرورية لتحقيق السلام”، مؤكداً بأن “الخطوات التالية لا يمكن القيام بها بدوننا”.
واستغل زيلينسكي مؤتمره الصحافي المشترك مع الرئيس الفنلندي ليقول إن قضايا مثل دور وحجم الجيش الأوكراني ليست أمراً مطروحاً للنقاش، وإن المناطق التي ضمتها روسيا من أوكرانيا “محتلة مؤقتاً، ولن تكون روسية أبدا”.
وقد دعمه ستاب، الذي يشارك بفعالية في تنسيق الجهود الأوروبيّة لدعم نظام كييف بتشديده على “إن أوكرانيا وحدها هي التي تحدد خطوطها الحمراء وموقفها التفاوضي”، وأن كييف “يجب أن تحتفظ بالحق في اختيار مستقبلها، بما في ذلك حريّة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، داعياً إلى تشكيل فريق تفاوض أوروبي بشأن أوكرانيا يشمل دولاً مثل بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا.
لكن زيلينسكي عاد مساء للإعلان عن قبول نظامه الهدنة الجزئيّة بعد مكاملة أجراها مع الرئيس الأمريكي.
في هذه الأثناء أظهر ماكرون الذي كان يلتقي مستشار ألمانيا المنتهية ولايته شولتز استعداده لتوسيع نطاق الردع النووي الفرنسي لحماية ألمانيا من روسيا. وقال إنه سيتم مركزة طائرات مقاتلة مسلحة نووياً إلى قاعدة لوكسو ليه بان الجوية بالقرب من الحدود الألمانية الفرنسية بحلول عام 2035. وسافر الرئيس الفرنسي في وقت لاحق إلى برلين للقاء فريدريك ميرز، المستشار القادم، الذي حصل للتو على دعم البوندستاغ الألماني على حزمة ديون غير مسبوقة لإنفاق أكثر من تريليون يورو على الجيش وتحسين البنية التحتية المتهالكة في بلاده، ويبدو أن باريس مهتمة بالاستفادة من تلك الأموال في بيع أسلحة فرنسيّة لا سيّما الجيل التالي من المقاتلة رافال كبديل عن ال إف-35 الأمريكيّة.
وقال ميرز إنه سيطلب إلى فرنسا والمملكة المتحدة مد مظلاتهما النووية لحماية ألمانيا في حال انسحبت الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، داعيا أوروبا إلى تحقيق “استقلال حقيقي” عن واشنطن.
نشر هذا المقال بصفحة الدّوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد الخميس 20 مارس 2025
لندن
2025-03-21