جبهات أكثر سخونة في أوروبا والشرق!
مصطفى السعيد
القوات الروسية وصلت إلى تخوم بكروفسك، المحطة الرئيسية لإمداد القوات الأوكرانية في إقليم الدونباس، ولم يعد يفصلها عن مقاطعة دنيبرو إلا أقل من عشرة كيلو مترات، محققة أسرع تقدم منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ولن يكون الإنتصار الروسي في أوكرانيا سهلا، فالولايات المتحدة ودول أوروبا لم ولن تصمت، وتواصل مضاعفة مساعداتها العسكرية لأوكرانيا بكثافة غير مسبوقة، وقدمت إدارة بايدن منذ أيام نحو أربعة مليارات دولار إضافية، وكميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى، وسمحت باستخدام أوكرانيا لها داخل العمق الروسي، وهو ما فعلته أيضا كل من بريطانيا وفرنسا، وضربت أوكرانيا بالفعل العمق الروسي عقب اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي الجديد ترامب مع كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس الأوكراني زيلينيسكي، وهو ما يؤكد أن ترامب إما وافق على استخدام الصواريخ بعيدة المدى في ضرب العمق الروسي، أو أنه لم ينجح في إقناع زلينيسكي وماكرون بضرورة الوقف الفوري للحرب، كما ينفي وجود أي اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة على مقايضة أوكرانيا بسوريا، بل يمكن لحلف الناتو يرى في خسارة روسيا لنفوذها في سوريا فرصة لفرض المزيد من الضغط العسكري والاقتصادي على روسيا، وهو ما فعلته الولايات المتحدة، سواء بمضاعفة العتاد إلى أوكرانيا أو بتشديد الحظر على تصدير النفط والغاز من روسيا، وقررت معاقبة أي دولة تستورد غاز ونفط روسيا، لكن ليس من الواضح مدى استجابة الدول المستوردة للطلب الأمريكي، لكن المؤكد أن الصين والهند وهما أكبر مستوردين للنفط والغاز لن تمتثلا للتهديد الأمريكي، ولأن الحرب بين روسيا والغرب لا يبدو أنها ستتوقف، بل المرجح أنها دخلت مرحلة أشد عنفا وخطورة، والدلائل كثيرة وواضحة، حيث تستعد دول أوروبية بشكل جدي لحرب عالمية أشد ضراوة، وشيدت بولندا خطا دفاعيا قويا، وكذلك فنلندا ودول البلطيق، ورفعت مستوى الجاهزية للقتال، وشيدت ألمانيا أعدادا كبيرة من الملاجئ، وبدأت حملة توعية للسكان بما يجب عليهم فعله أثناء الحرب، وتواصل القوات الأمريكية نشر قوات برية وجوية في القواعد الأمريكية في أوروبا، ودعت أوكرانيا إلى تمديد التجنيد الإجباري لكل من بلغوا 18 عاما، لدفع المزيد من الوقود البشري في الحرب، وهو ما يضع زلينيسكي في مواجهة داخلية أكثر صعوبة، لكنها شروط أمريكية وأوروبية ربطت زيادة المساعدات بدفع أوكرانيا المزيد من الجنود إلى أرض المعارك. أما مستقبل القاعدة العسكرية الروسية في حميميم السورية فمازالت في مهب إعصار الهجوم المفاجئ على سوريا، وتغيير النظام بالقوة، وانقلاب تركيا على اتفاقها مع روسيا وإيران، وهو ما يقلق روسيا من السلوك التركي، رغم ما قدمته روسيا من مساعدات للرئيس التركي أردوغان، من إنشاء محطة نووية، لمنح تركيا حق تسويق النفط الروسي، إلى إمدادها بمنظومة إس 400، ووقوفها إلى جانب تركيا في سيطرة أذربيجان على إقليم ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه مع أرمينيا، وتأتي المخاوف الروسية من أن تواصل تركيا استخدامها للجماعات المسلحة في مناطق أخرى مثل ليبيا والعراق ووسط آسيا، وأن تكون الخنجر الذي يضرب روسيا في الخاصرة الجنوبية، وقد تعزز روسيا تحالفها مع إيران لدرء الخطر التركي المدعوم من الولايات المتحدة والغرب لفتح جبهات جديدة، تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، بل إن ما حدث في سوريا يمكن أن يحرك الصين بعيدا عن مجالها الحيوي في آسيا لأول مرة، لأنها ترى تحركات من الحلف الغربي لعرقلة مشروع “الحزام والطريق” عن طريق العمليات العسكرية، سواء بالوكالة أو بالإنتشار العسكري والتحالفات الجديدة التي تحاول تطويق الصين. إن ما حدث في سوريا عن طريق الجماعات المسلحة سيكون بداية صدام أشد عنفا بين روسيا وحلفائها والغرب، وهناك حالة من الترقب لما يمكن الإقدام عليه في الخطوة المقبلة، وما إذا كان سيصبح إجتياح سوريا وسيلة لتغيير موازين القوى الإقليمية والعالمية بالقوة، وعودة ظهور الجماعات المسلحة كأداة في محاولة استعادة الهيمنة الأمريكية بأية وسيلة، حتى لو تعارضت مع القيم التي تدعيها الولايات المتحدة وحلفاؤها، خاصة أن تلك الجماعات التي رعتها وسلحتها الولايات المتحدة إنطلقت من القواعد العسكرية لكل من أمريكا وتركيا مع دعم إسرائيلي واضح. إن الصراعات العالمية تتجه نحو تصعيد غير مسبوق، والغرب يشعر بأفول وتراجع تجعله أشد شراسة في الدفاع عن مكانته ووجوده، مثلما تشعر إسرائيل بأنها في حرب وجود تبرر لها استخدام أشد الأسلحة فتكا في مواجهة كل ما تعتقد أنه ربما يهدد وجودها في المستقبل، فهل هي شراسة المتراجع، أم شراهة الطامع؟.
الأهرام
2024-12-16