معركة السيادة: سوريا تتحدى الاحتلالين التركي والأمريكي!
ميشيل شحادة*
تاريخ العلاقة السورية التركية معقد ومليء بالتقلبات، حيث تأرجحت بين التوتر والتقارب تبعاً للظروف الإقليمية والدولية. خلال القرن العشرين، ورثت سوريا وتركيا إرثاً معقداً من الصراعات الحدودية، أبرزها قضية لواء إسكندرون الذي ضمته تركيا عام ١٩٣٩ ورفضت سوريا الاعتراف بشرعيته. خلال الحرب الباردة، اتسمت العلاقة بالعداء نتيجة اختلاف التحالفات؛ إذ انحازت سوريا إلى المعسكر السوفييتي، بينما كانت تركيا عضواً في حلف الناتو. وفي التسعينيات، بلغت التوترات ذروتها مع دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني، ما دفع تركيا إلى التهديد بالتدخل العسكري قبل توقيع اتفاق أضنة عام ١٩٩٨.
مع بداية الألفية الجديدة، شهدت العلاقات السورية التركية تقارباً ملحوظاً في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، حيث تم تعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي. إلا أن هذا التقارب انهار مع اندلاع الأزمة السورية في عام ٢٠١١، حين دعمت تركيا ما يسمى بـ “المعارضة” السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد، ما أدى إلى عداء مفتوح وتوترات مستمرة حتى اليوم، مع تعقيد الملفات المشتركة، مثل قضايا اللاجئين، الأمن الحدودي، والمياه.
لعبت تركيا دوراً محورياً في الأزمة السورية منذ اندلاعها عام ٢٠١١، حيث تأرجحت سياساتها حسب التطورات الميدانية والسياسية. في البداية، أظهرت أنقرة دور الوسيط بين النظام و”المعارضة”، داعيةً إلى إصلاحات سياسية لاحتواء الأزمة. ومع تصاعد العنف ورفض النظام السوري الخضوع لـ “الحلول” المغرضة التي كانت تهدف إلى تدمير سوريا وإسقاط النظام، كشفت تركيا عن نواياها الحقيقية، مستهدفة سوريا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. حيث قامت باستضافة مؤتمرات ومؤسسات للجماعات المعادية لسوريا المدعومة من الغرب، مثل المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، واستغلت الموارد السورية بطرق غير شرعية وغير أخلاقية، مما زاد من تعقيد الأزمة.
تصاعد الدور العسكري التركي في سوريا بذريعة تهديدات المجموعات الكردية المسلحة المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، حيث نفذت تركيا عمليات عسكرية، منها “درع الفرات” ضد “داعش” والمجموعات الكردية شمال سوريا، و”غصن الزيتون” في عفرين، و”نبع السلام” لإنشاء منطقة آمنة والسيطرة على مدينتي “رأس العين” و “تل أبيض”. أثارت هذه التحركات استياء الولايات المتحدة الداعمة للمليشيات الكردية، وأدت إلى خلافات مع روسيا وإيران، المتحالفتين مع النظام السوري. من جانبها، تشترط دمشق انسحاب تركيا الكامل لإعادة بناء الثقة، وهو ما تجلى في رفض الأسد لقاء أردوغان حتى الآن، رغم رغبة الأخير بذلك، دون التزام تركي واضح بالانسحاب.
تزيد قضية اللاجئين السوريين المشهد تعقيداً، إذ يبلغ عددهم في تركيا أكثر من ثلاثة ملايين، ما جعلهم عاملاً داخلياً مؤثراً اجتماعياً وسياسياً. بالإضافة إلى الموقف التركي المخيب تجاه نكبة غزة، انعكست قضية اللاجئين على نتائج الانتخابات، حيث خسر حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى. تسعى تركيا لإعادة اللاجئين وفق رؤيتها، بينما ترغب سوريا في عودتهم ضمن حل شامل لا يخضع لإيقاع أنقرة ومحاولاتها تقسيم الأزمة. في الوقت نفسه، يثير وضع اللاجئين قلق أوروبا، التي تخشى هجرتهم نحو دولها إذا استمرت أزمتهم، رغم أن السياسات الأوروبية كانت سبباً رئيسياً في تفاقمها.
لم تعلن أنقرة نيتها الانسحاب الكامل من سوريا، مبررة احتلالها بحماية حدودها من التنظيمات الكردية المسلحة، ومواصلة دعم بعض فصائل “المعارضة” لضمان مصالحها، مع تأكيدها أهمية الحل السياسي. أبدت تركيا استعدادها للتعاون مع دمشق في مكافحة الإرهاب، مركزة على حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب التي تعتبرها تهديداً مباشراً. ورغم إعلانها احترام وحدة الأراضي السورية، تصر على إنشاء منطقة آمنة داخل سوريا لضمان أمنها القومي.
كثفت روسيا جهودها لتقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة، مستضيفة اجتماعات رفيعة المستوى، بما في ذلك اجتماع رباعي في أيار ٢٠٢٣، حيث اتُفق على إعداد خارطة طريق لاستئناف العلاقات. وفي آب ٢٠٢٤، تواصلت المباحثات الروسية-التركية لتجاوز العقبات، في إطار مساعي موسكو لإعادة الاستقرار لحليفتها سوريا وإضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة. تُركّز واشنطن على تعزيز وجودها العسكري، خاصة في قاعدة التنف الاستراتيجية التي تربط سوريا بالأردن والعراق، وشمال شرق الفرات الغني بالموارد الطبيعية، مع استمرار دعمها لقوات سوريا الديمقراطية المناهضة للدولة السورية. المؤشرات تشير إلى احتمال تغيّر هذا الوضع في عهد ترامب، الذي أبدى رغبته في الانسحاب من سوريا. الوقت سيكشف إن كان ذلك سيتحقق قريباً.
يلعب الكيان الصهيوني دوراً عدوانياً سافراً لإضعاف محور المقاومة، مستهدفاً التعاون الإيراني السوري عبر غارات جوية متكررة تحاول عرقلة إيصال الامدادات إلى حزب الله. تصاعدت هذه الضربات الجائرة في السنوات الأخيرة، مستهدفة مواقع استراتيجية في دمشق ومحيطها، بما في ذلك مطاري دمشق وحلب، وصولاً إلى قصف السفارة الإيرانية في دمشق، مما أدى إلى استشهاد شخصيات عسكرية إيرانية بارزة، أبرزها العميد محمد رضا زاهدي. في ظل كل هذا الاستهداف الخسيس، تبقى سوريا العمق الاستراتيجي للمقاومة، تقدم دعماً مادياً ومعنوياً دون تردد، وتنتظر اللحظة المناسبة للانخراط في المعركة الحاسمة دفاعاً عن وجودها ودورها القومي.
يشكل إعادة الإعمار تحديا اخر، حيث يتطلب استثمارات دولية تُعيقها الخلافات السياسية، ومكافحة الإرهاب التي تخلق ديناميكيات معقدة بين الأطراف المتصارعة. كما يسعى التقارب السوري-التركي إلى تطبيع العلاقات بوساطة روسية، وسط خلافات حول دعم تركيا للجماعات الارهابية وانسحاب قواتها من الأراضي السورية. استمرار التصعيد الميداني وغياب حل سياسي شامل يعمقان الأزمة، مما يجعل تحقيق الاستقرار تحدياً يرتبط بتفاهمات دولية وإقليمية شاملة.
يمثل دور سوريا المركزي في محور المقاومة، وخاصة علاقتها الوثيقة مع إيران، سبباً رئيسياً للهجمة الصهيوغربية عليها. إذ تقدم إيران دعماً كبيراً لسوريا، إلى جانب الدعم الميداني الحاسم من حزب الله، مما عزز صمود النظام السوري في مواجهة هذه الهجمة الشرسة. كما يعزز موقع سوريا الجغرافي كحلقة وصل بين إيران وحزب الله من أهميتها الاستراتيجية لمحور المقاومة، حيث يشكل وجود نظام مقاوم في دمشق تهديداً وجودياً للكيان الصهيوني ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يرون في الجغرافيا السورية عنصراً حاسماً في الصراع مع محور المقاومة الممتد عبر كل الساحات.
أدى التحالف السوري-الإيراني إلى توتر علاقات سوريا مع دول عربية، خاصة السعودية ودول الخليج، التي قادت هجمة شرسة على سوريا وسخرت أموالاً طائلة لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد. لعب الإعلام العربي الموجه، مثل قناتي الجزيرة والعربية، دوراً دنيئاً في تأليب الرأي العام ضد سوريا. ومع المتغيرات التي أفرزها صمود محور المقاومة، بما في ذلك التصالح السعودي-الإيراني، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتراجع الهيمنة الأمريكية عالمياً، أصبحت قدرة سوريا على التعافي وإفشال المؤامرات التي تستهدفها أكثر قوة ورسوخاً.
مثَّل قطع تركيا علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل في ١٣ نوفمبر ٢٠٢٤ تحولًا محورياً في مواقف أنقرة الإقليمية، مع تداعيات محتملة على الأزمة السورية. يُتوقع أن يقلل هذا القرار التنسيق الأمني بين تركيا والكيان الصهيوني ويفتح ولتقارب أكبر مع إيران، مما قد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية. كما يعزز انزياح تركيا نحو الشرق، مع تأثيرات محتملة على عضويتها في الناتو ومواقفها تجاه الجماعات الإرهابية. وتشير المؤشرات إلى أن حل الأزمة السورية أصبح مرهوناً بوصول الرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ يبدو أن تركيا تربط انسحابها من سوريا بانسحاب أمريكي مماثل، مما يجعل المرحلة المقبلة محكومة بتوازنات جديدة ومصالح متشابكة ومعقدة، محفوفة بالمخاطر.
في الختام، تمثل سوريا قلب العالم العربي النابض، بحضارتها العريقة وتاريخها المشرق في الدفاع عن القضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين. تحتل سوريا موقعاً استراتيجياً يجعلها هدفاً دائماً لمخططات أعداء الأمة الساعين لتفكيكها وتدمير هويتها القومية واستبدال نظامها المقاوم بنظام تابع ومطبع، يخضع لإملاءات الاستعمار الغربي ويتخلى عن فلسطين وقضيتها. في ظل هذه الهجمة العالمية الشرسة، يبرز صمود القيادة السورية بمواقفها المبدئية والثابتة في مواجهة المؤامرات الدولية والإقليمية. هذا الصمود، الذي ينبع من إيمان عميق بحقوق الأمة ومركزية القضية الفلسطينية قومياً، يستدعي من العرب والأحرار الوقوف بجانب سوريا ودعم صمودها، لأن الدفاع عن سوريا هو دفاع عن مستقبل الأمة العربية بأكملها وحقها في العيش بحرية وكرامة بعيداً عن هيمنة وخطط المستعمرين.
كاتب فلسطيني
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصرا
2024-11-25