لمصلحة من التأزيم السياسي في العراق؟
هاني قاسم
في الوقت الذي يسعى الجيش العراقي، وبالتعاون مع “الحشد الشعبي” والعشائر في منطقة الأنبار، التضييق على “داعش” في محافظة الأنبار، بعد تحرير الهيت والسيطرة على غرب نهر الفرات، والاقتراب من القائم في المنطقة الحدودية العراقية السورية، لسدّ هذا المنفذ الحدودي على “داعش”، ومحاصرته الفلوجة؛ المعقل الأساس له في الأنبار، والتحضير لمعركة الموصل، بعد جهوزية بعض عشائر أهل السُّنة للقتال ضد “داعش”، بدا الوضع السياسي في العراق متجهاً نحو مزيد من التأزّم، لاسيما بعد الاعتصامات الشعبية والتظاهرات في العديد من المناطق، مع التركيز على المنطقة الخضراء، والتي ترفع شعار الإصلاح الشامل، وإقالة الرئاسات الثلاثة، ما دفع بالرؤساء الثلاثة والكتل النيابية إلى الاجتماع والتفاهم على وثيقة الإصلاح السياسي التي تضمنت: تشكيل حكومة وطنية جامعة، تلتزم ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب، وإعادة إعمار المناطق التي دمّرها الإرهابيون، وإعادة النظر في إدارة الملف الأمني، وتطوير تجربة “الحشد الشعبي”، والعمل على تثبيته في إطار البعد الوطني، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وتحقيق التمثيل المتوازن للحكومات السياسية، واستقلالية القضاء..
ومع ذلك، فقد أصرّ البعض على المحاصصة، كائتلاف متحدون للإصلاح (سالم الجبوري)، والتحالف الكردستاني، ورفضوا تشكيلة رئيس الحكومة حيدر العبادي الأولى، والتي ضمّت مجموعة من التكنوقراط، ما دفع ببعض الكتل، كالتيار الصدري ومجموعة من ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية (إياد علاوي)، إلى الاعتصام، واجتمع 171 نائباً (من أصل 328) في البرلمان الذي اعتبروه في حالة انعقاد، وأقالوا رئيس البرلمان سالم جبوري (الذي حاول إعطاء هذا الصراع طابعاً مذهبياً، وسعى لحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة)، وعيّنوا عدنان الجنابي رئيساً مؤقتاً له، ريثما يتم انتخاب رئيس جديد، ودعوا إلى إقالة رئيسي الجمهورية والحكومة، وبذلك نكون أمام مجموعة من الآراء المتعارضة داخل الكتلة الواحدة، حول طبيعة التشكيلة بين أن تكون مهنية أو خاضعة للمحاصصة السياسية، علماً أن الكتل كلها مجمعة على ضرورة الإصلاح ومحاربة الفساد.
لكن الإصرار على المحاصصة قد يأخذ الوضع في العراق إلى صراعات تلبس لبوس المذهبية، فيتذرع بها الأكراد لإعلان دولتهم الكردية.
العراق أمام مشهد مأزوم، وعلى جميع الكتل أن تضع نصب عينيها مصالح الشعب العراقي ووحدته، سيما أنه أمام استحقاق أمني كبير له علاقة بمحاربة “داعش”، من أجل استعادة المناطق التي احتلها، وردّها إلى كنف الدولة.
يئس العراقيون من سياسييهم، وكان للمرجعية موقف منهم، ومن الهدر المالي والفساد، ودعوة إلى الإصلاح.
على الجميع أن يدرك أن هذه الأزمة السياسية كان بالإمكان حلها عبر تشكيلة وزارية تتصف بالكفاءة والنزاهة، تسترشد بالوثيقة التي كان بالإمكان السير بها، دون أخذ الأمور إلى تعقيدات قد يصعب حلها، وهنا التساؤل: لمصلحة من هذا التازيم؟ ولمصلحة من رفض التشكيلة ذات البعد االتقني؟ ولمصلحة من الدعوة إلى حل البرلمان وأخذ البلد إلى الفراغ؟ ولمصلحة من تعقيد الأمور في البرلمان وأخذه إلى سجال دستوري، حول شرعية الرئيس الجديد، وشرعية إقالة الجبوري؟ وفي هذه الحالة أين يصبح مشروع مواجهة “داعش” والقضاء عليها؟ وما هو الدور الأميركي – السعودي في كل ما يجري؟
قد تعود مواقف بعض العراقيين إلى الحرص الوطني والنية الصادقة في الإصلاح، لكن الوصول إلى المجهول قد يستفيد منه الأعداء، وقد يكون دافع آخرين لأخذ البلد إلى انعدام التوازن، لأن تاريخهم يشهد بتعاونهم مع “داعش” وتسليمهم محافظة نينوى له، وبإمكان الجميع إذا كانت نواياهم صادقة أخذ العراق إلى بر الأمان.
الثبات