حوار ممتع وصادق مع الدبلوماسي اليمني المخضرم الكبير والكاتب علي محسن حميد أجراه مع جريده الوطن المصرية في سبتمبر ٢٠٢٠ بمناسبه ثوره اليمن ورحيل جمال عبد الناصر مع الصحفي إمام احمد :
كمواطن عربى أولاً، ويمنى ثانياً، ماذا تقول فى الذكرى الـ48 لرحيل جمال عبدالناصر؟
- سعيد جداً بالحديث عن هذا الرجل العظيم الذى خلده التاريخ، وكيمنى أعبر عن امتنان الشعب اليمنى كله للدعم الذى قدمه الرئيس «عبدالناصر» ومصر للثورة فى اليمن لدعم النظام الجمهورى، والمساعدة فى نقل اليمن من وضع اجتماعى واقتصادى وتعليمى متخلف وبائس إلى وضع أفضل.
على المستوى الشخصى، كيف ترى أن «عبدالناصر» ساعدك فى هذا التحول الاجتماعى والتعليمى؟
- أنا من الطلبة اليمنيين الذين درسوا فى اليمن على يد أساتذة مصريين من الصف الثالث الإعدادى وحتى الثانوية، وأول ثانوية عامة فى اليمن حديثة، كانت ثانوية مصرية بمنهج مصر وأساتذة مصريين، وبنى لنا جمال عبدالناصر ثلاث مدارس ثانوية فى صنعاء وتعز والحديبة، كنت أدرس أنا فى المدرسة الموجودة بصنعاء، ثم أخذنا «عبدالناصر» بعد التخرج للمشاركة فى منح بمختلف
الجامعات فى مصر. هذا جميل فى رقابنا لا ننكره. والأمر لا يقتصر على التعليم فحسب، لكن فى مختلف الجوانب الاجتماعية والخدمة المدنية، يكفى أن أقول لك إنه لم يكن لدينا كرسى ولا ترابيزة نجلس عليها فى العهد الملكى، كنا نجلس على المصاطب والأرض. مصر «عبدالناصر» أحدثت نقلة كبيرة نوعية فى مختلف جوانب الحياة باليمن، ومأسسة الإدارة فى اليمن، حيث كانت الأوضاع السابقة أوضاع تخلف كبير لم يكن فى مقدور مصر إنهاء مظاهر التخلف تماماً ولا فى مقدورنا حتى الآن، لكن مصر ساهمت بدور كبير فى الحركة للأمام.
كيف ترى دعم الرئيس «ناصر» للثورة اليمنية؟
- كان دعماً كبيراً وساهم فى تحقيق النصر والحصول على الاستقلال، خاصة مع دعم ثورة الجنوب فى اليمن بعد نحو سنة وعدة أشهر من قيام الثورة اليمنية، وشهد الجنوب اليمنى عمليات كفاح مسلح ضد المستعمر البريطانى بدعم كامل من مصر ساعدنا فى الحصول على استقلالنا. وهذا لا ينكر. اليمن الحديث بشطريه الشمالى والجنوبى أسهمت مصر إسهاماً كبيراً فى صنعه ونشأته. بريطانيا تعتقد أن «عبدالناصر» هو الذى
وضع آخر مسمار فى نعش الاحتلال البريطانى لليمن، من خلال دعمه لثورة الاستقلال اليمنية وثورة الجنوب اليمنى، حتى أنا أربط بين تعرض مصر لعدوان 67 على يد إسرائيل مدعومة من بريطانيا وفرنسا، بدور مصر فى دعم ثورة الجنوب فى اليمن وخروج بريطانيا من اليمن خروجاً مذلاً. لأن البريطانيين كانوا يتخذون من اليمن ما يشبه القاعدة لحماية مصالحهم فى المنطقة، وبالتالى أرادوا الانتقام من «عبدالناصر» وتآمروا عليه فى يونيو 67 بالوقوف وراء إسرائيل.
كل عربى كان يشعر بالفخر لأن زعيمه «ناصر» واليمن خرج من «دائرة التخلف» بفضل دوره العظيم.. وكان يرى المستقبل ويعرف أن سلامة الأمة فى «وحدتها» وصوته فى أذنى لا يغيب رغم مرور قرابة نصف القرن
لكن البعض الآن ينتقد تدخل «عبدالناصر» لدعم الثورة اليمنية، ما رأيك فى هذه الانتقادات؟
- هؤلاء هم الذين يحملون عداءً لـ«عبدالناصر» والناصرية بشكل عام، ولا يرون فيه أى إيجابيات، ومنهم من يحكم على الماضى بمعايير الحاضر. لكن من الناحية الموضوعية فإن معظم الجيش المصرى كان فى مصر وليس اليمن. واليمن فى ذلك الوقت كانت تمثل «أمن قومى» لمصر والمنطقة كلها. وحرب اليمن كانت ضرورة قومية عربية مصرية يمنية. ومصر كانت مستهدفة، واليمن كان يعيش فى تخلف اجتماعى واقتصادى وسياسى وتعليمى. والدليل على أن هذا الدعم المصرى لليمن كان ضرورة إيجابية أنه بعد استقرار الأوضاع ماذا حدث؟.. كان هناك 70 ألف مصرى يعملون فى اليمن، فى المدارس
والمصانع وكل مكان، حتى إنهم كانوا يعملون فى الخدمة المدنية. واليمنيون كانوا سعداء بهذا الحضور المصرى، وكان المصريون واليمنيون يتعاملون بكل محبة وتعاون. أنا أقول إن دعم مصر و«عبدالناصر» لليمن دين فى رقابنا مدى الدهر. ومصر قامت بعمل عظيم تستحق عليه كل شكر، وكسبت ولم تخسر. وأذكر هنا أن اليمن فى حرب 73 أغلق مضيق باب المندب لحصار إسرائيل، ولو كانت بلادنا تحت الاحتلال البريطانى حتى هذا العام ما أخذت هذا القرار. نحن علاقاتنا مشتركة ومصالحنا مشتركة ومستقبلنا واحد، وهذا ما كان يعبر عنه «عبدالناصر».
تأتى ذكرى «عبدالناصر» فى ظل أوضاع صعبة يعيشها اليمن وبلدان عربية أخرى من حرب وإرهاب وتهديد للشعوب والدول.. كيف ترى تزامن الذكرى مع هذه الأوضاع؟
- نحيى ذكرى وفاة جمال عبدالناصر فى ظل ظروف عصيبة يمر بها الوطن العربى الكبير بلا شك. هذا يجعلنا نبكى أكثر، ونشعر بالأسى والحزن، لأن «عبدالناصر» كأنه كان يرى المستقبل، ويعرف أن طريق السلامة للأمة العربية هو وحدتها. نعانى الآن من الإرهاب مثلاً، ويكفى أن نعرف أن الأمة العربية لم تعرف الإرهاب فى عهد
«عبدالناصر»، بالصورة التى نراها اليوم. مشروع «عبدالناصر» كان حائط صد لأنواع عديدة من الشر منها الإرهاب الداخلى، ولم نعرف الإرهاب وقتها باستثناء حادث المنشية الذى تعرض له «عبدالناصر» من الإخوان المسلمين.
كنت طالباً بالثانوية والجامعة خلال الستينات، كيف كنت تنظر لتجربة «عبدالناصر» فى مصر؟
- أنا من الجيل الذى أعجب بالتجربة المصرية الناصرية وتحالف قوى الشعب العامل فى مصر، وبالتأكيد كل تجربة لها إيجابياتها وسلبياتها، لكن كل تجربة أيضاً هى بنت وقتها وواقعها. وهناك ظروف دولية وعربية ومصرية، أيضاً كان انحياز «عبدالناصر» فيه واضحاً. وفى عهد «عبدالناصر» حدث حراك اجتماعى كبير فى مصر مكن الطبقات التى كانت مقهورة فى قاع السلم الاجتماعى من أن ترتفع وتتبوأ مكانة جيدة، ولا ننسى عدة قرارات
لـ«عبدالناصر» تخلد من ذكراه، مثل قوانين الإصلاح الاقتصادى فى مصر، وتشييد السد العالى، وتأميم قناة السويس، ودعم ثورة الجزائر والثورة اليمنية، ودعم الحراك التحررى للتخلص من الاستعمار، ليس فى المنطقة العربية فحسب، لكن فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حتى خلق لمصر مكانة غير مسبوقة فى المجتمع الدولى، ولم تكن هذه المكانة لمصر وحدها، ولكن لكل العرب. كان العربى يفخر أنه عربى لأن لديه زعيماً مثل «عبدالناصر».
جنازة «عبدالناصر» خرجت فى العديد من البلدان العربية، منها اليمن. ماذا تتذكر عن هذا اليوم؟
- فى صباح يوم 29 سبتمبر، خرجت جنازة كبرى فى شارع جمال عبدالناصر الذى يضم السفارة المصرية فى صنعاء، وقادها أحمد محمد النعمان، يسمى بالصانع الأول لقضية الأحرار، وتحولت الجنازة إلى مسيرة شعبية شارك فيها الآلاف من أبناء الشعب اليمنى.
وهل شاركت فيها؟
- نعم، كنت حديث التخرج من الجامعة، وشاركت فى المسيرة، وكان يوماً حزيناً بالنسبة لنا فى اليمن لأن اسم «عبدالناصر» ارتبط بدعم مصر لثورة اليمن، وارتبط بوجودنا كدولة تتطلع لمستقبل أفضل وتنفض عن ظهرها غبار الماضى. دولة اليمن كانت تعيش فى عزلة وتخلف وكان يضرب بها المثل فى التخلف، لكن دور مصر كان إيجابياً لأقصى حد، واستطاع «عبدالناصر» انتشال اليمن من دائرة التخلف.
أخيراً، هل تحتفظ فى ذاكرتك بعبارة أو موقف معين للرئيس «عبدالناصر» حتى الآن؟
- صوته فى أذنى لا يغيب أبداً. وأتذكر عبارته الخالدة عندما جاء إلى تعز سنة 1964، وقال فى خطبة حاشدة: كلنا سادة وكلنا عبيد للمولى الواحد القهار. بمعنى أن الجميع متساوون وأنه لا فرق لمواطن على آخر. كلماته كانت تشعرنا بالفخر، كنت طالباً فى الثانوية فى ذلك الوقت. وأتذكر أيضاً عبارته التى ألهبت حماسنا كشباب عربى، حين قال: «على الاحتلال البريطانى أن يحمل عصاه ويرحل من الجنوب اليمنى».
2024-09-28
