بما أننا نتحدث عن الإعلام المقاوم بمظهره الحالي ، فهذا يعني بالأساس تناول الإعلام المقاوم الذي تشكل بعد انتصار الثورة الإسلامية في نهاية سبعينات القرن الماضي ، حيث كانت التجربة الإعلامية الأولى المسموعة هي إذاعة المستضعفين ، والتي أنشئت بظل الحصار الصعب للضاحية لإيصال صوت المقاومة إلى خارج الضاحية ، ونقل معاناة أهل الضاحية ، ومع بداية التسعينات تآسس تلفزيون المنار ثم تتالت الوسائل الإعلامية بعد الاحتلال الأميركي للعراق ، وسقوط نظام صدام حسين .
و بالمقارنة مع الإعلام المناهض للمقاومة خلال الفترة الماضية ، فإنه لا يمكننا إلا أن نعترف بفشل إعلامنا في مواجهة كل هذا الإعلام المناهض ، فما هي الأسباب ؟ تتنوع الأسباب و رغم أنني لست بالإعلامي فاسمحوا لي بأن أعطي رأيا بالموضوع ، حيث تنقسم الأسباب ضمن قسمين الموضوعية و الذاتية الموضوعية :
١- الفارق الكبير بالخبرات الإعلامية بين الطرفين ، فالمحور المناهض صُبت به كل الخبرات الغربية من الBBC البريطانية ، ومجموعات روبرت مردوخ الإعلامية والCNN وغيرها من المجموعات .
٢- الفارق بالقدرة على التمويل ، بسبب الفارق الكبير بين إمكانيات الطرفين ، مما جعل الخليج يسيطر على أكثر من ٩٠٪ من وسائل الإعلام .
٣- الفارق الكبير بفهم و إدراك أهمية الإعلام في الحرب الكونية القائمة .
٤- الفارق الكبير بالمستوى القيمي بين الطرفين ، فالمعسكر المناهض لا يتورع عن استخدام كل الوسائل الخسيسة في تسويق ما يخدم مشاريعه و مصالحه.
٥- الفارق الكبير بالعدد ، حيث يمتلك الإعلام المناهض للمقاومة أضعاف مضاعفة من الوسائل الإعلامية .
٦- التنوع الكبير بالإعلام المناهض ، بحيث يستطيع الوصول إلى أغلب الشرائح المستهدفة ، وتبدأ على سبيل المثال من قنوات الأفلام و تنتهي بالقنوات الإخبارية ، وعلى مستوى الصحافة فالأمر سيان من حيث التنوع والذاتية . هذه المعطيات تنطلق بمعظمها كون الراعي الوحيد للإعلام المقاوم هو إيران ، وقد دخل بالفترة الأخيرة الراعي العراقي ، ولذلك ظهرت الأسباب الذاتية و هي
١- البيروقراطية الوظيفية التي تعاملت مع الإعلام و الإعلاميين بالمنطق الوظيفي ، مما أدى لحجب إبداع العاملين في هذا الحقل .
٢- المعايير الإسلامية الصارمة ، من حيث مظهر العاملين و كتابة النصوص واختفاء اللون غير الديني عن هذه الوسائل ، وبالتالي فقدانها لشريحة واسعة من المستهدفين .
٣- غلبة الطابع المذهبي بشكل مباشر أوضمني ، مما أدى لحصر فئة المستهدفين ضمن مذهب محدد .
٤- الشللية و المزاجية للمتحكمين بهذه الوسائل ، مما أدى لاستبعاد شريحة واسعة من الإعلاميين عن هذه الوسائل . ٥- تغييب الألوان الأُخرى من الإعلاميين المقاومين عن هذه الوسائل .
٦- تقييد الوسائل الإعلامية بالسياسات العامة للدولة الإيرانية ، مما أدى لحدوث خلافات عميقة مع المختلفين معها ببعض التفاصيل و السياسات ، رغم القاسم المشترك الكبير بينهما في مواجهة الناهب الدولي و أدواته .
قد تكون هناك أسباب أُخرى لم أحط بها و لكن لابد من الاعتراف بأن هناك تجربتين ناجحتين على مستوى الصحافة ، صحيفة ( الأخبار ) و على مستوى التلفزيون فضائية ( الميادين ) ، وكان السبب في نجاحمهما المقبول هو اضطرار إيران و المقاومة للجوء لإعلاميين من خارج السياق الإسلامي ، وهم على الأغلب من اليساريين و العلمانيين الذين استطاعوا الصمود أمام موجة الشراء الخليجي ، و السماح لهم بمساحة مقبولة من حرية الحركة لبناء مؤسسات إعلامية ذات خبرات عالية المستوى ، وتبقى هاتين المؤسستين اليتيمتين غير قادرتين على مواجهة هذا السيل الجارف من الإعلام المناهض ، ولا حل للأمر إلا بالإقرار بالأسباب الموضوعية و الذاتية للفشل.