تأتي زيارة الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس إلى الجزائر في وقت تتسم فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية بتوتر كبير، جراء الحملة المسعورة التي يشنها الإعلام الفرنسي منذ عدة أيام على الجزائر، والتي طالت حتى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، الذي حاولت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إقحامه بشكل خبيث في فضيحة ما سُمّي ب”الوثائق البنمية”، حيث وضعت صورته رفقة صور بعض الرؤساء في مقال حول فضيحة التهرب الضريبي دون أن يذكر اسمه في وثائق بنما.
وقالت الصحيفة إنّ نشرها صورة الرئيس بوتفليقة لا يعكس مضمون المقال وكان مجرّد خطإ.
ما قيل إنه خطأ استوجب احتجاجا شديد اللهجة من الخارجية الجزائرية، بل إن وزير الداخلية نور الدين بدوي، علّق على الأمر، بالقول: “المساس برئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية ورموزها خط أحمر”، ما يعني أن الجزائر مُتذمرة تماما من السلطات الفرنسية، لأنه في العادة كان يكفي احتجاج وزير الشؤون الخارجية السيد رمطان لعمامرة، لكن أن يصل الأمر إلى حدّ توجيه وزير الداخلية الجزائري تحذيرا صريحا للفرنسيين، فهذا يُبرز عمق الأزمة التي تضرب العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتي يتطلّب تجاوزها، تقديم الوزير الفرنسي مانويل فالس، إعتذارا رسميا للجزائر، لأننا كإعلاميين نعرف كيف تشتغل مؤسسات الدولة الفرنسية، فمن المعلوم أنه قُبيل أي زيارة لرئيس الدولة الفرنسي أو رئيس حكومته إلى دولة ما، أن يتم دعوة مسؤولي وسائل الإعلام إلى لقاء “خارج التسجيل”، لإطلاعهم على أهداف الزيارة، والمصالح التي ترجو فرنسا تحقيقها من خلالها، وبذلك نرى كيف تتحرك العديد من وسائل الإعلام في هذا الإتجاه، تنفيذا للتوجيهات أو بالأحرى “التعليمات”، وبخصوص زيارة فالس المرتقبة يوم السبت، فقد سُبقت كما قلنا بحملة مسعورة على الجزائر، خاصة من قبل صحيفة لوموند التي تعكس توجهات ومواقف الدولة الفرنسية، والتي تستفيد من دعمها المالي، وأكثر من ذلك فإن مجموعة من البرلمانيين الفرنسيين وعددهم 84 نائبا من مختلف التشكيلات السياسية، تقدموا بمقترح مشروع قانون إلى البرلمان الفرنسي يوم 5 أفريل الجاري، لتمجيد خونة الثورة التحريرية من الحركى وعائلاتهم، ولتمكينهم من التعويض المادي والمعنوي، نظير ما قالوا إنهم تعرضوا له عشية استقلال الجزائر، فمشروع هذا القانون يمثل أكبر ازتفزاز للجزائريين، لأنه يؤكد لهم بأنّ فرنسا التي لا تزال ترفض الإعتراف بجرائمها ضدّ الإنسانية في الجزائر، والتي لا تزال ترفض فتح ملف التعويضات عن الثروات التي سرقتها طوال المرحلة الإستعمارية، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، لا تزال إلى اليوم تحن للفترة الإستعمارية، وتعمل ما في وسعها لإذلال الجزائريين، فمجرّد تمجيد الخونة من الحركى وعائلاتهم، يثمل تحرشا فاضحا بالجزائر، يتطلب الرّد عليه بقوة.
هذه التحرّشات الخبيثة والحملات المسعورة على الجزائر، تدعونا إلى السؤال عن مقاصدها وأهدافها والجهة التي تقف وراءها، وبرأي العديد من المتابعين، أنه لا يمكن استبعاد اليد الصهيونية في كلّ ذلك، خاصة وأن اللوبي الصهيوني أصبح يتحكم في كل دواليب السلطة الفرنسية، ويوجه السياسة الفرنسية كما يشاء، فاللوبي الصهيوني –وهو أمر غير خافٍ” مُتحالف مع القصر الملكي المغربي، وقد مارس ضغوطاته حتى في الأمم المتحدة، لمنع استصدار قرار في مجلس الأمن يدين إقدام المغرب على طرد البعثة الأممية إلى الصحراء الغربية، والمغرب يرى في أي تقارب جزائري فرنسي تهديدا لمصالحه في المنطقة، أضف إلى ذلك كلّه أن هذا اللوبي الصهيوني قد نجح في إقامة تحالفات مع العديد من البلدان العربية التي عملت المستحيل من أجل تدمير سوريا ولم تنجح في مهمتها القذرة هذه، وهي اليوم جدّ مُنزعجة من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلّم إلى الجزائر مؤخرا، وبالتالي لا يستبعد أن تكون بعض هذه الدول تقف وراء تحريك الإعلام الفرنسي ضدّ الجزائر بدعم من الصهاينة دائما، لأننا نرى أن بعض وسائل الإعلام العربية قد انضمّت إلى هذه الحملة القذرة، بل إنه حتّى بعض وسائل الإعلام الجزائرية ركبت موجة الإساءة إلى بلدها، من خلال تضخيم ما سُمّي بفضيحة “الوثائق البنمية” التي يقف وراءها الأمريكيون والصهاينة، بتساؤلها عن سرّ “صمت” السلطات الجزائرية، وكأننا بهذه المنابر الإعلامية لا تعي حقيقة خلفيات ومرامي هذه “الفضيحة” أو أنّ العطايا التي تستفيد منها من وراء الحدود هي ما أعمى أبصارها وبصيرتها