أزمة المثقف العربي!
اضحوي الصعيب*
دور المثقف أن يكون في مقدمة الركب الاجتماعي، قولاً وفعلاً، تنظيراً وثورة. والا ما فرقه عن غيره من العوام!. هل يجوز ان يتساوى دور المهندس والعمال؟. فالوعي الذي يصنف به المثقف مثقفاً يؤهله لمهمتين أساسيتين: الاولى استشراف المستقبل، والثانية صياغة الخطاب للتأثير على الجماهير. ولم يقم المثقفون العرب بأي منهما في هذه المرحلة على الاقل. اما المراحل السابقة منذ الانسلاخ عن الكيان العثماني فلا اريد التطرق لها كي لا اشتت الموضوع.
الوضع القائم الان، منذ الثورة الايرانية الى طوفان الاقصى، بناه رجال الدين (اتحدث عن الوضع العربي، السني في عمومه. واشارتي الى الثورة الايرانية باعتبارها المحرك لرجال الدين السنة: كحالة الهام لبعضهم وحالة استفزاز لبعض آخر، فتلاقح المستفَزون مع الانظمة المصابة بالهلع وسارت الاحداث بتأثير ذلك). فكان المثقف العربي جزءاً عددياً من هذا الواقع، منقاداً لا قائداً، يقدم خدمات فندقية للقطيع من وجبات سريعة على شكل كاريكاتير او نكتة او بيت شعر يتلاقفها البسطاء فتنتشر ويمتلىء المثقف بالزهو. ولا تخرج هذه النشاطات عن اطار التشكيك بملحمة الامة في فلسطين، فهذي هي الوجبة المفضلة عند الغوغاء في هذه المرحلة.
قد يظن البعض اني بهذا المقال اطلب من المثقف تبني قناعاتي. لا، انا هنا أحلل ظاهرة. أتحدث عن ضعف وتلاشي دور المثقفين حتى ضمن الخط الذي اختطوه لانفسهم، وهو الانخراط في الطائفية ليس باعتبارها عقيدة وانما باعتبارها موضة. فالذوق السياسي العام يحدده القطيع بناءً على غرس مضى وتنمو اغصانه بفعل الطبيعة حتى لو لم تتوفر لها الرعاية.
قام حسن العلوي خلال العقد الاخير من القرن الماضي بتوجيه الخطاب السياسي للمعارضة العراقية ضد نظام البعث. كانت المعارضة الشيعية آنذاك تعاني صعوبات الخروج من الكهف الديني الى الافق السياسي الارحب، فقدم لها العلوي في كتابه (الشيعة والدولة القومية) خلاصات جاهزة لخطاب سياسي مقنع وفعال، فأقبلت عليه تستقي منه الارقام والنسب كما كان الشيوعيون ينهلون من (الاقتصاد السياسي) لماركس قبل الثورة الروسية. لقد غيّر العلوي موقفه فيما بعد وراح يمجّد البعثيين وصدام وزوجته، الا انه ومهما فعل لا يستطيع اعادة التاريخ الى الوراء وإلغاء تلك الصفحات من سجلّه. لقد أدت دوراً تاريخياً في قيادة الجمهور من قبل المثقف، وما زال كثيرون من الاسلام السياسي الشيعي يتكئون عليها في جدالاتهم. موقف العلوي ذاك كان إعارة خدمات من مثقف قومي لتيار طائفي.
وحالة مشابهة كأنها رد الفعل الطائفي المعاكس مثّلها الكويتي عبد الله النفيسي. فقد بدأ من حيث انتهى العلوي زمنياً، ونظّر سياسياً للوضع الراهن الذي بناه رجال الدين السنة. وضع الاساس الفكري لتقديم معاداة ايران والشيعة على معاداة اسرائيل والصهيونية. ولمّع الاحواز ليجهر بريقها القدس وما حولها. وكما فعل العلوي يتراجع النفيسي الان عن نظرياته لكنه لا يستطيع شطبها من التاريخ فقد فعلت فعلها في الزمن الذي كان صالحاً لها.
الان يتخبط المجتمع العربي (السني) بشكل لم يسبق له مثيل، ولا يجد من يسد الفراغ الفكري الهائل. فالمقولات المستهلكة عن ان ما يجري مجرد مسرحيات لم تعد قابلة للاستعمال، وما استعمالها الان الا لأنها السلعة الوحيدة المتوفرة في سوق الفكر السياسي للطائفية.
هناك رجال دين خليجيون يجاهرون بشتائم مقذعة على المقاومة والمقاومين والتشفي بالشهداء والدمار وتمني القضاء الكامل عليهم. هؤلاء يمثلون صيحة افتقار وجدب. فما يقولونه ليس فكراً او ثقافة او حتى مشاعر، بل دليل على خواء الفكر والثقافة والمشاعر. كأنه عملية بحث صارخة عن مثقف يلبي الحاجة الملحة لنظريات وأفكار سياسية.
المطلوب بالنسبة للجمهور المتخبط ظهور مفكر يخرج سرديات المجتمع من الاسفاف والتناقض والهزال الذي هي عليه. عبقري يوقف حالة الانكار البائسة ويضع محلها نظرية مبتكرة تجهض الاقرار الصريح بأن ايران تقود محور المقاومة. كيف تأتي مثل هذه النظرية؟ لا ادري! لكنها المطلوبة كطلب التوابل في اوربا خلال الحروب الصليبية التي ادى البحث عنها الى اكتشاف العالم الجديد.
حالة الانكار الكبرى لوجود حرب بين طرفين في الشرق الاوسط لم تعد صالحة للعمل. فاستعيض عنها باقرار جزء من الحرب ووصف الجزء الآخر بالمسرحية، فالفلسطينيون يقاتلون فعلاً والايرانيون يمثّلون. محاولات فيها من التعسف ما يسقطها قبل ان تنطلق. الحل الامثل للبعض القول بأن المقاومة الفلسطينية مركز الاحداث وايران طرف مساعد بين اطراف كثيرة. تصلح هذه المحاولة لو كانت هناك دول عربية مساندة للمقاومة ولو شكلياً. لكن العرب الرسميين منقسمون بين صامتين ومتحالفين مع اسرائيل.
كان السلفي السعودي سعد الفقيه اول من خاض هذا الطريق الوعر بعد معركة غزة السابقة (سيف القدس) عام 2021. فقد أقر بقبول الدعم من ايران لكنه رفض تقديم الشكر لها!! وكان مثيراً للشفقة وهو يحاول عبر الڤيديو تأليف نظرية من هذا الطراز.
الان سعد الفقيه غيّر موقفه وصار يتحدث كمحلل سياسي يعترف بمجريات الصراع كما هي.
لو ظهر المثقف القادر على قلب المعادلة بطريقة طائفية، طريقة تعترف بعظمة المعركة القائمة وفي نفس الوقت تحرم ايران من مجدها او تقلص دورها، لو ظهر لبلغ من الصيت شأناً خيالياً. فهل ظهوره ممكن دون المساس بالواقع الموضوعي للاحداث؟ هذا ما تجيب عنه الاشهر القليلة القادمة، فالوقت يضيق والاحداث تتسارع، والنظريات تكون بلا قيمة اذا جاءت في غير وقتها. فكتاب حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) لم يعبأ به احد لو صدر في وقت آخر. والنفيسي الذي قال قبل سنوات قليلة ان الشيعة طائفة والسنة ليسوا طائفة، فحظي بسبب ذلك على اعجاب واسع من الذين تستهويهم العبارات الرنانة، سيحصل في المستقبل على الاستهزاء بسبب هذه النظرية التي تهدم ما ظن انه يبنيه.
أن يأتي الخطيب بعد انفضاض الجمهور كبوة قدر. والجمهور العربي يخرج الان من الابواب والشبابيك لرؤية الاحداث بالعينين بدل الاستماع لأوصافها من الخطباء. وهناك خارج القاعات لا يحتاج الانسان الى مثقفين يفلسفون له ما يرى.
( اضحوي _ 1809 )
2024-08-08
