دروس من عملية بروكسال
د. أعلية علاني – جامعة منوبة – تونس
نشر في صحيفة المغرب بتاريخ 04/04/2016 رابط المقال
مرة أخرى يضرب الإرهاب بقوة في قلب القارة الأوروبية. وعاد العرب والمسلمون ليحبسوا أنفاسهم من جديد من تداعيات هذه العملية.
أما الأوروبيون فأصبحوا يتساءلون عن مستقبل الأمن والديمقراطية في بلدانهم.
فهل تشكل عملية بروكسال منعطفا في السياسة الأمنية الأوروبية، خاصة بعد تقرير كاميرون ولائحة الكنغرس الأمريكي حول الإخوان المسلمين؟
وهل تتجه أوروبا نحو فرض استراتيجية داخل الاتحاد الأوروبي تتعلق بكيفية التعامل مع المسألة الدينية والجاليات المسلمة في أوروبا؟
و ما تأثير ذلك على تياري الإسلام السياسي والإسلام الجهادي في أوروبا؟
وأخيرا هل تتمكن الجاليات المغاربية في أوروبا من خلق لوبيات تتصدى لانتشار ظاهرة الإرهاب في صفوف أبنائها وتتولى الدفاع عن حقوقها المشروعة أمام الحكومات الأوروبية؟
السياسة الأمنية الأوروبية الجديدة بعد عملية بروكسال
بين أحداث باريس في نوفمبر 2015، وأحداث بروكسال الإرهابية في مارس 2016 دخلت أوروبا مرحلة الحقبة الأمنية بامتياز وتكثفت اجتماعات وزراء الداخلية الأوروبيين لضبط خطط طوارئ تجاه استفحال الظاهرة الإرهابية في القارة العجوز.
ففرنسا رغم تراجعها عن قانون سحب الجنسية عن مزدوجي الجنسية المتهمين في قضايا الإرهاب فإنها كثفت من إجراءات الملاحقة والمراقبة اللصيقة للمهاجرين، وألمانيا أكبر دولة متحمسة لقبول المهاجرين، اتفقت مع الأتراك على إيقاف موجات الهجرة، في حين أعلنت عدة دول في أوروبا الشرقية عن غلق حدودها تماما أمام المهاجرين.
وبعد عملية بروكسال الأخيرة تعالت الأصوات لتشديد إجراءات الحصول على تأشيرة شنغان.
لكن لا أحد من المسؤولين الأوروبيين تحدث عن الأسباب التي أدت إلى استفحال الظاهرة الإرهابية في أوروبا، وأساسا تداعيات الحرب في سوريا وفشل سياسة الإدماج للجاليات العربية والمغاربية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الأوروبي.
وهو ما يجعل الإجراءات الأوروبية المتخذة مؤخرا في مجال الأمن غير قادرة على تحييد الظاهرة الإرهابية. ونؤكد مرة أخرى أن مقاربة الأمن الشامل (تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية) التي تعمل تونس وبلدان عربية أخرى على انتهاجها، هي الكفيلة بتخليص أوروبا من مخاطر الإرهاب.
ويعرف الأوروبيون أن أمثال صلاح عبد السلام والبكراوي والعشراوي هم نتاج سياسة التهميش التي تعيشها الجاليات المغاربية، رغم أن هذا لا يبرر طبعا أي عملية إرهابية.
لكن الحل لن يكون إلا بمعالجة الأسباب الحقيقية للعنف والإرهاب. إن تشديد الإجراءات الأمنية على المطارات الأوروبية أمر جيد ولكن التشديد على مراقبة جيوب الفقر والتهميش داخل أوروبا لا يقل أهمية.
وأعتقد أن العقيدة الأمنية الأوروبية يجب أن تقوم مستقبلا على 3 عناصر:
– أولا: خلق وكالة أمن قومي على المستوى الأوروبي تُنسّق بشكل وثيق مع العالم العربي والإسلامي في كل ما يتعلق بالجانب الاستخباراتي
– ثانيا: تطوير التشريعات بين أوروبا والعالم العربي والإسلامي في مجال تسليم الإرهابيين والتحقيق المشترك وتسهيل إجراءات التقاضي.
– ثالثا: اللجوء إلى ضربات استباقية دقيقة حتى يكون التعامل مع الإرهاب قائما على الفعل لا على رد الفعل. وهذا يستوجب تنقيحا لبعض القوانين الأوروبية من أجل بلوغ هذا الهدف.
هل تصبح لأوروبا سياسة دينية موحدة، وما موقفها مستقبلا من الإسلام السياسي والتيار الجهادي؟
يبلغ عدد المسلمين في كل أوروبا 45 مليون نسمة أي حوالي 6 بالمائة من إجمالي سكان أوروبا، وهو ما يجعل منهم كتلة اجتماعية وانتخابية هامة.
وشهدت أوروبا عدة تجارب في إقامة المجالس الدينية الأوروبية لكنها لم تعمل على سن سياسة دينية واضحة تربط بين ثقافة أهل البلد وخصوصيات الجاليات الثقافية والدينية.
ولم تراقب تلك الدول الأوروبية نشاط الجمعيات الإسلامية منذ عشرات السنين على أراضيها فبعضها له منحى تكفيري، والبعض الآخر متأثر بفكر الإخوان المسلمين الداعي إلى أسلمة العالم بما فيها أوروبا بكل الوسائل المتاحة، وهناك القليل من الجمعيات الإسلامية الأوروبية التي تعمل على تبليغ صورة الإسلام المعتدل.
ولذلك وعندما اندلعت حروب الربيع العربي ظن الأوروبيون أنهم سيتخلصون من المتشددين لديهم عندما ذهبوا للقتال في سوريا فإذا بهم يعودون إليهم بنقمة أكبر وتدريب مكثف على السلاح.
وزعزعت العمليات الإرهابية الأخيرة عقيدة أوروبا الأمنية، وتكاثرت الندوات العلمية حول مواجهة الفكر الراديكالي. والتجأت الحكومات الأوروبية إلى إلى تحريك مجموعة من الأئمة والوعاظ لتقديم خطاب ديني بديل فكانت النتائج محدودة، في حين سارعت بريطانيا من خلال تقرير كاميرون إلى إدانة فكر الإخوان المسلمين الذي يؤدي إلى الإرهاب حسب هذا التقرير.
وبدأ بعض الأوروبيين يفكرون جديا في رسم سياسة دينية موحدة على مستوى أوروبي.
ويتوقع العديد من الخبراء أن تقوم هذه السياسة على دعم ما يسمى بالإسلام الأوروبي المتناغم مع حقوق الإنسان والرافض للخلط بين الدين والسياسة تماشيا مع الدساتير الأوروبية والمتأقلم مع ثقافة الانفتاح على الآخر.
وإذا ما طُبقت هذه الاستراتيجية الجديدة فإن حملة ستحصل في المستقبل ضد عشرات الجمعيات الدينية والخيرية التي تنتمي لتيار الإسلام السياسي والتيار السلفي، وربما يتم حلها أو تغيير صبغتها، لأن بعضها له علاقة ضمنية بتسفير الأوروبيين نحو ساحات القتال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعدد آخر منها لا يزال ينشر الفكر المتشدد في أوروبا بطرق خفية.
هل تتمكن الجاليات العربية من إنشاء لوبيات مضادة للإرهاب؟
لقد أصبح من المفروض على النخب العربية التي تعيش في أوروبا أن تفكر في إنشاء لوبيات نافذة لدى الحكومات الأوروبية والبرلمان الأوروبي، لوبيات مالية وإعلامية وثقافية تُسوّق لأفكار وأساليب للتعايش بين الأديان والثقافات داخل أوروبا.
لوبيات تدافع عن حقوق الجاليات المغاربية والعربية الاقتصادية والاجتماعية بالخصوص، وتشرح لهم إيجابيات الاندماج في المجتمع والثقافة والاقتصاد الأوروبي، لأنه في نجاح سياسة الاندماج الكامل قضاء على بؤر الحقد والعنف والإرهاب.
وحبذا لو يستثمر أثرياء العرب في دعم برامج هذه اللوبيات لأن الاستفادة ستكون متبادلة والتأثير سيكون جدليا بين العالم العربي وأوروبا.
وستصبح جالياتنا العربية مثل الجاليات الأجنبية الأخرى في أوروبا مؤثرة في الحكومات والبرلمانات ومراكز القرار الأوروبية.
وسنتعرض لاحقا لطبيعة عمل هذه اللوبيات.
http://ar.lemaghreb.tn/قضايا-وأراء/item/1900-وجهة-نظر-دروس-من-عملية-بروكسال
2016-04-07
