البجعات السوداء في اليسار الفرنسي!
د. خالد فتحي
إذا كنت لامعا ،فلاتلمع فوق مايطيقه الآخرون. اللمعان الشديد يجلب حسد الرفاق قبل مؤامرات الأعداء، وخصوصا إذا كنت صاحب قيم ومبادئ لايجاريها ذوو النفس القصير . فلقد جرت سنة السياسة أنه عادة مايتوافق أولئك ” العاديون” على إزاحة ذاك “الموهوب ” الذي يضايقهم وذلك لسببين؛ أولا كونه يضعهم أمام المرآة فيرون تواضعهم ثم تعذبهم المقارنة بينهم وبينه ، وثانيا لأنه يحرمهم فرصة التقدم عليه، لأنهم يبغون سباقا “ديمقراطيا” بين ذوي القدرات المتساوية، اي سباقا بينهم هم فقط .
جون لوك ميلونشون زعيم سياسي أبي حتى النخاع مرشح فوق العادة كي تبلوه نتائج الانتخابات الفرنسية بهذا الامتحان .رفاقه في اليسار حائرون،و يتساءلون منذ فوزهم عن من يكون رئيس وزرائهم الذي من كتلتهم ،والذي يقدر أن يحظى باغلبية مطلقة أو في أضعف الحظ باغلبية نسبية ناجعة تضع عنهم سيف ملتمس الرقابة ،و تحقق الممكن من طموحهم..
كلما بحثوا أو تداولوا في الأسماء،أو تصفحوا الجرائد، او سمعوا المحللين السياسيين ، الا و يعود إليهم أسم واحد ملأ دنيا فرنسا وشغل ناسها .جون لوك ميلنشون، هذا .اليساري الأفصح والأجرأ ،والأمنع بمريديه الذين يحبونه حبا صوفيا ،فيتوجسون منه ويرتبكون . ماتيلدا بانو ، تلك الاشتراكية المتعبدة في محراب فرنسا الابية ،طلعت علينا في قناة شهيرة ،وأكدت أن شيخها لايفرض نفسه ولاينحيها ،لكنها ذكرت بأن حزبها هو أول مجموعة نيابية بتجمع اليسار ،وأنه قد وفى وابلى في دحر غول اليمين المتطرف و في فضح سياسات ماكرون المتحيز للأثرياء ،فلا تنهي الحلقة حتى تثبته جهارا رئيسا للخكومة كما قد ثبت عمرو بن العاص معاوية يوم التحكيم .
ميلونشون نفسه لايمل من الخروج الاعلامي،كأن الجن هو من يحركه .لا يستفز الرفاق، ولايفرض نفسه عليهم صراحة ،ولكنه يلمح لهم بأن من مصلحتهم ألا يغمضوه حقه .لكنهم يصمون اذانهم ويعلنون ان الامر متروك للديمقراطية كي تحسمه. ميلنشون بهذا الوضع ، قد يصير رغما عنه تلك البجعة السوداء التي لم ينتبه لها وقت عقد الحلف والتي قد تفجر اليسار .
البجع عادة ابيض اللون ،لكنه أحيانا تنضم له واحدة سوداء لايلتلفت لها ، ولكنها تتسبب فيما بعد بأحدث عخطيرة وكذلك قد تكون الجبهة الشعبية الجديدة بكل زعمائها عدا ميلنشون بجعات بيضاء ،مهادنون،مرنون و مقبولون من الوسط ، كأنما نسلوا من اشتراكي واحد ، إلا ميلنشون هذا ،المشاغب، المشاكس ، المثير للجدل، الملهب لحماس الجماهير، المختزل الآن لكل صورة اليسار الأصيل، السياسي المثقف الذي يفجر خصومه في مماحكته، فيصمونه بالتطرف وبأقذع النعوت ،هو البجعة السوداء التي قد يفاجئ الرفاق المستعجلين للغنيمة، و تفسد عليهم اجواء الحفلة، و لربما قد يجهض أو يجهضون هم تنصلا منه حمل اليسار الطارئ.
ميلنشون بجعة سوداء ،وهولاند بجعة آخرى .لماذا عاد رئيس سابق للبرلمان أن لم يكن يعد نفسه لدور كبير .هولاند قد يطالب برئاسة الحكومة ،وقد يكون رجل التوافقات داخل اليسار ومع كتلة معا .أليس ماكرون ربيبه الذي صار رئيسا بدلا منه .إليس الوقت قد حان لربط ماا نقطع من ود بين الرجلين ؟ .
قد يقبل ميلنشون بهولاند رغم التارات التي بين فرنسا الابية و الحزب الاشتراكي ،فليس للرجل أن يحارب الكل ،لوبين وماكرون وبني جلدته ايضا ،كما أنه من الممكن أن يوعد بأن بصبح مرشح اليسار للرئاسيات المقبلة .
اما الافتراض الثاني ،فهو أن لايقبل ،وهنا قد يمنح الرفاق المبرر للاستغناء عنه ،وبالتالي قد تتكون الحكومة بدونه ،ويذهب هو للمعارضة كيسار يصنف متطرفا ليجلس مع عدوته لوبين ،و ينفجر هذا اليسار الوليد في وقت قياسي. وليس ذلك بغريب على أهل اليسار .
كاتب مغربي
2024-07-12