فلاديمير بوتين.. إعادة انتخاب أم تجديد بيعة؟
د. سلام العبيدي*
في مطلع آب / أغسطس 2023، اي حتى قبل أن يعلن فلاديمير بوتين عن نيته الترشح لولاية رئاسية جديدة، صرح السكرتير الصحفي للكرملين دميتري بيسكوف لصحيفة “نيويورك تايمز” الاميركية: “انتخاباتنا الرئاسية ليست ديمقراطية بالضبط، إنها اجراء بيروقراطي باهظ الثمن. سيتم إعادة انتخاب السيد بوتين العام المقبل بأكثر من 90 ٪ من الأصوات” (https://www.nytimes.com/2023/08/06/world/europe/putins-forever-war.html). على الرغم من أن بيسكوف أعلن لاحقا أن تصريحه كان وجهة نظره الشخصية، لكن الرأي العام محلياً وخارجياً فهم أن بوتين يعتزم البقاء في الكرملين حتى عام 2030.
إنه، في الواقع، أمرٌ طبيعي ومنطقي. سيد الكرملين هو الذي بدأ الحرب في أوكرانيا وهو من يجب ان يخرج منها منتصراً لتبرير الثمن الذي دفعته ولا تزال تدفعه روسيا في مواجهتها مع الغرب الجماعي، والتي يمكن وصفها بالشاملة وترقى إلى مستوى الحرب العالمية في عدد من جوانبها وآثارها.
الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي يصر على عدم إجراء انتخابات رئاسية في بلاده طالما ان الحرب مستمرة، بالرغم من الضغط الغربي عامة والاميركي خاصة على ضرورة احترام الممارسة الديمقراطية، فلم لا يفعل ذلك ايضا خصمه اللدود على الجانب الاخر من متاريس الحرب فلاديمير بوتين، أم “إن المسموح به لجوبيتر غير مسموح به للثور”؟
ثمة وجهة نظر مفادها أن الرئيس الروسي، او على أقل تقدير طائفة من المستشارين والخبراء، الذين يستمع بوتين لآرائهم، يرون أن العملية الانتخابية ممارسة ديمقراطية لا بد من الإبقاء عليها حتى في ظروف الحرب، لتأكيد شرعية نظام الحكم السياسي الذي شرع بوتين ببنائه منذ نحو ربع قرن، لا سيما في ظروف المواجهة غير المسبوقة بين روسيا والغرب الجماعي. وجهة النظر هذه تستند إلى حقيقة أن إعادة انتخاب بوتين بنتيجة قد تصل فعلا إلى 90%، كما يفترض المتحدث الرئاسي بيسكوف، ستكون بمثابة تأكيد لشرعية الرئيس الروسي، في ضوء عزم خصومه في الخارج وما تبقى منهم في الداخل على عدم الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات.
على المقلب الاخر من الرأي في الانتخابات الرئاسية الروسية، هناك من يرون ان اجراء الانتخابات في الظروف الراهنة هو بالفعل ترتيب زائد عن اللزوم، لان بوتين وأتباعه يعتقدون ان استقرار روسيا، بل مستقبلها ومصيرها، مرتبط ببقاء الرئيس الحالي. وبذلك تصبح الانتخابات ليس أكثر من مسألة شكلية وتحصيل حاصل، أو بالأحرى تجديداً للبيعة. هذه الحقيقة الملموسة ربما تفسر الاهتمام الكبير الذي توليه السلطات الروسية للدعاية للانتخابات والترويج لها وحث المواطنين وتحفيزهم ماليا على الذهاب إلى صناديق الاقتراع التي ستكون مفتوحة الابواب على مدى ثلاثة أيام لاستقبال أكبر عدد ممكن من الناخبين.
بالتوازي، وبالرغم من إبعاد المعارضة عن المشاركة باي مرشح، مهما كانت درجة معارضته لنظام الحكم، في الانتخابات الرئاسية، إلا أن ما يسمى “بالمعارضة غير النظامية”، تسعى إلى التأثير ولو في المشهد الإعلامي والدعائي المرافق للعملية الانتخابية. مفهوم “التصويت الذكي” الذي ادخله حيز التطبيق المعارض المتوفي اليكسي نافالني في عام 2018، اثناء الانتخابات البلدية، وأعيد إستخدامه في الانتخابات البرلمانية في عام 2021، يتم اللجوء اليه مجددا في الانتخابات الحالية. الهدف من هذه الممارسة – التشويش على سير العملية الانتخابية بشكل استعراضي لإثبات أن المعارضة لإدارة بوتين لم تمت بموت زعيمها.
أنصار نافالني اطلقوا حملة التجمع “ظهرا بلا بوتين” في منتصف نهار اليوم الرئيسي للانتخابات، اي الاحد 17 آذار / مارس عند مراكز الاقتراع، للمشاركة في التصويت بطريقتهم الخاصة. ولاجل ذلك ابتكروا تطبيقا للهواتف الذكية يعتمد أسلوب “تصويت اليانصيب”. وفق المبتكرين، فان التطبيق يستبعد التصويت لبوتين ويقترح التصويت لاحد منافسيه او اتلاف ورقة الاقتراع أساساً. المهم للمعارضين هو ان يحصل بوتين على اقل نسبة من الأصوات، بصورة احتجاجية واستعراضية امام الرأي العام والمراقبين وعدسات الكاميرات.
استطلاعات الرأي الرسمية في روسيا تعطي بوتين 82% من الأصوات مع مشاركة نحو 71% من الناخبين في الاقتراع. المعارضون لسياسة الرئيس الروسي يقولون إن المؤشر الفعلي لشعبيته إنخفض بشكل حاد بسبب الحرب في أوكرانيا وعوامل أخرى وان ثلث الروس في أحسن الاحوال يؤيدون نهجه. وكالات مستقلة لاستطلاع الرأي تعطي بوتين 43%-49%. اما الاستطلاع الذي أجراه مركز “إتجاهات” فأظهر أن المجتمع الروسي منقسم بالتساوي تقريبا بين مؤيدين للرئيس بوتين وبين من يريد بدائل أخرى (إنظر المخطط البياني https://t.me/Four_Directions/568).
بغض النظر عن النتيجة، التي سيعلن بها عن فوز بوتين، وخلافا للرأي حول درجة شفافية وشرعية الاقتراع، فإن الانتخابات الحالية ستكون الأولى التي تجرى في روسيا في المائة عام الأخيرة والبلاد في حالة حرب وحصار ومواجهة شرسة مع الغرب الجماعي. هذا هو السبب في أن يسعى بوتين إلى نصر غير مشروط – عملياً تجديد البيعة له.
*كاتب عراقي
**مقولة مأثورة للمسرحي القرطاجي بوبليوس ترنتيوس (186 ق.م. – 159 ق.م.).
2024-03-18