راشيل كوري تحية الكافرة التي وقفت مع فلسطين أفضل من بعض المسلمين !
بقلم أحمد الحباسى *
الذين حضروا تلك الحفلات الغنائية الصاخبة التي رأى المنظمون في المملكة السعودية أن تقام و تتم أثناء تنفيذ سلطات الاحتلال النازية لمجزرة التصفية العرقية ضد الشعب الفلسطيني بحيث تلاشت الأعضاء البشرية الممزقة للأطفال و الشيوخ و النساء على وقع تمايل و غناء مطربين عرب فقدوا حمرة الخجل ينطبق عليهم كل ما قيل في تحريم الخمر . كل الذين حضروا للمتابعة و الرقص و من مولوا تلك الحفلات و من استدعوا الفنانين و من حضروا للغناء بفرقهم و مشرفين عن أعمالهم و كل الفرق الأمنية التي أمنت تلك الحفلات و التلفزيونات التي نقلت وقائعها و كل من أشّر على دخول هؤلاء الفنانين و أرسل إليهم فرقا لمصاحبتهم و من آواهم و أطعمهم و صورهم و أخذ معهم الصور التذكارية أو تلقى تصريحاتهم قد ارتكب فضيحة أخلاقية إنسانية ستظل بمثابة وصمة العار التي تلطخ سمعته إلى يوم الدين .
لقد قيل الكثير الكثير في فضيحة حفلات الرياض و اتفقت معظم التعاليق و الآراء على أن مجرد سماح سلطات المملكة بتنظيم تلك الحفلات المسخرة في مثل الظروف القاسية و العصيبة التي تعرض إليها الشعب الفلسطيني على أحد كبار سفاحي العصر ببنيامين نتانياهو هي سقطة أخلاقية غير مسبوقة و أكد البعض أن عداء السلطة السعودية لحركة حماس أو للمقاومة الفلسطينية و مهما كانت الأسباب و الدوافع لا يمكن أن يبرر إقامة حفلات غناء و ميوعة و قلة شهامة تنقلها تلفزيونات عربية كان أولى بها نقل مشاهد المجازر و هدم البيوت و بقاء عائلات مشردة بأكملها في العراء تعانى من العطش و الجوع في حين تنفق المليارات على مطربين فقدوا الإنسانية و فضلوا الجشع و تجاهل ما يحصل لإخوانهم الفلسطينيين . ربما أرادت السلطات السعودية معاقبة الشعب الفلسطيني لقيامه بملحمة طوفان الأقصى التي يرى أنها عطلت مسار قطار التطبيع بينه و بين العدو الصهيوني لذلك نظمت تلك الحفلات نكالة و تشفيا لكن حساب الحقل لم يلاق حساب البيدر لتعبر الشعوب العربية الملتصقة بهموم الشعب الفلسطيني عن نفورها من هذا التصرف المسيء جملة و تفصيلا للقيم الإسلامية.
هذا المقال لا يهدف كما يظن البعض لانتقاد أي كان لان ما حصل أكبر من أن يتحمله مقال أو يعبر عنه قلم لكن بما أن الشيء بالشيء يذكر فقد رجعت الذاكرة بالزمن إلى الوراء حين تصدى أحرار من عدة بلدان غربية ” كافرة ” للهمجية و العدوان الصهيوني النازي و من بين هؤلاء طبعا ” الكافرة ” راشيل كوري و التي أكاد أجزم أن الكثيرون لا يعرفون من هي صاحبة هذا الاسم و لا هذه الناشطة الأمريكية التي عبرت دائما عن وقوفها مع الشعب الفلسطيني المنكوب و بلغ دفاعها حدّ الوقوف سنة 2003 أمام جرافة صهيونية أرادت هدم بيت عائلة فلسطينية لتصل الغطرسة النازية ذروتها بتعمد الجرافة هدم البيت على ساكنيه و تتوفى المناضلة راشيل كوري فى مشهد صادم شاهده العالم و بكاها ملايين الأحرار في العالم و صب كل عبارات اللعنات على وجه المحتل الصهيوني . طبعا لم يصدق البعض أن تضحى ” كافرة ” بنفسها و أن تقف في وجه الغطرسة الأمريكية الصهيونية لكن صورة عملية الإعدام الصهيونية بدم بارد لتلك ” الكافرة ” لا تزال في الأذهان.
لم يصدق أحد أن هناك من يضحى بنفسه من أجل قضية عادلة تماما كما فعلت المناضلة راشيل كوري كما أن هناك من لم يصدق أن حالة تيه الضمير العربي ” المسلم ” قد تراجعت إلى حدّ تنظيم طوفان من الأغاني الهابطة في حين كانت المؤسسة العسكرية النازية تنفذ أبشع الاغتيالات لشعب كامل على المباشر و بطريقة أقل ما يقال فيها أنها وحشية بربرية غير مسبوقة في تاريخ البشرية . كل الذين غنوا في مهرجان السقوط بالرياض غنوا عن المشاعر و الأحاسيس و عن الحب لكن عن أي مشاعر أو أحاسيس أو حب يتحدث هؤلاء و هل أن من تجاهل ما حصل في غزة يمكن أن يكون مسلما له مشاعر أو أحاسيس أو ذرة حب ؟ . حين شاهدت المناضلة راشيل كوري جبروت الاحتلال لم تفضل الصمت الخجول كما فعل أغلب قادة الدول العربية و جيوشها و مطربي آخر زمن مثل كل هؤلاء الذين غنوا في مهرجان السقوط بالرياض بل واجهت نازية الاحتلال مضحية بروحها الطاهرة لتصنع لنفسها مجدا خالدا لن يمحى من ذاكرة الأحرار في حين سيسجل التاريخ أن مهرجان الرياض قد لاحقته لعنات شهداء فلسطين. سجّل يا تاريخ و الحساب يجمع .
كاتب و ناشط سياسي
2024-03-13