مضت خمس سنوات على انطلاقة «الثورة» في سورية. لم يبقَ إلّا عادل الجبير وزير آل سعود والسيد ستيفان دي ميستورا مندوب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، وجيفري فيلتمان، سفير الولايات المتحدة السابق في بيروت، ناطقاً باسمها.
الأول يريد استبدال رئيس الجمهورية العربية السورية فوراً، والثاني يدعو إلى استبداله بعد المباحثات بين السلطة والمعارضة. ففي سورية معارضات اختصاصها المباحثات، آخرها تلك التي ائتلفت مكوّناتها في هيئة تحت رعاية آل سعود، هذا من ناحية، أمّا من ناحية ثانية، فيوجد «ثوار» على الأرض انضووا في فصائل يبلغ تعدادها العشرات، ادّعت كل منها الانتساب إلى شخصيات من تاريخ الدعوة الإسلامية التي تتّخذها هذه الفصائل سلعة تُتاجر بها أحياناً، وعباءة تتغشّى بها أحياناً أخرى.
لم يغيّروا ما بأنفسهم. ما يزال الأعراب يرتزقون من التديّن، وإذا جاعوا أكلوا آلهتهم! لقد استبدلوا التمر بالنفط ! ولكن النفط سام!
بصراحة، أنا لا أعرف ما هي طبيعة العلاقة التي تربط، من جهة، المعارضة السورية ـ السعودية التي تُدعى إلى جنيف بمعيّة الوزير السعودي عادل الجبير الذي يسبق تصريحه المعروف موعد وصوله إلى أي مكان «بالثوار» في سورية، من جهةٍ ثانية.
كما أنّي لا أعرف، رغم أنّ المسألة السورية تهمّني إلى أقصى حدّ، ما إذا كان لدى فصائل «الثوار» نقاط يتوافقون على تحقيقها في المدى المنظور، بحيث نعلم إلى أين يريدون أن يأخذوا سورية قبل أن يتنابذوا كما هو متوقّع!
بصراحة أيضاً، لست أدري ما إذا كان الوقت قد حان، أو فات؟ لمثل هذا النوع من التساؤلات.
بكلامٍ آخر، أين نحن بعد خمس سنوات من «الثورة» في سورية؟ هل قطعنا مسافة نحو الهدف المنشود أم أنّنا نمشي القهقرى؟ حديث يقتبسه الشيخ عبدالله العلايلي في كتابه «أين الخطأ» في فصل عنوانه «حذار من القفز في الفراغ»: «إنّكم اليوم على دين، فلا تمشوا، بعدي، القهقرى». بالإذن طبعاً من الذين أسروا هذا الدين، فلولا إرهابهم وهمجيّتهم لكان للناس بالقطع قراءة غير قراءتهم.
ما أودّ قوله في الواقع هو أنّي أعتقد أنّ هذه «الثورة» لو كانت حقيقة ثورة تُعبّر عن وعي ثوري، وعن رؤية ثورية، لما أوصلت سورية والسوريين إلى الكارثة.
إنّ غاية الثورة هي حماية الناس، تحسين ظروف معيشتهم في الحاضر، الإعداد لمستقبل أفضل، تطوّراً وتقدماً ومنعة. بناءً عليه، لا تستغيث الثورة الوطنية بأعداء الشعب.
المستعمرون هم أعداء الشعوب، آل سعود هم أعداء الشعب السوري وأعداء شعوب شبه الجزيرة العربية أيضاً. هذا ليس بحاجة لبرهان لمحلّه من الوضوح.
الثورة الوطنية لا ترفع السلاح في وجه الجيش الوطني. إنّ الجيش العربي السوري قاتل دفاعاً عن سورية في سنة 1967 وفي سنة 1973، وقاتل في لبنان أيضاً سنة 1982، وقدّم آلاف الشهداء.
الثورة الوطنية لا تستخدم المدافع الثقيلة والمدرّعات والصواريخ .. من أين لها هذا؟! الثورة الوطنية لا تستقدم المرتزقة للقتال في صفوفها .. لا تستعين بآل سعود ومشيخات الخليج. أيّ منطق يُجيز جمع آل سعود في ثورة وطنية سورية؟
من البديهي في هذا السياق أنّ السعوديين الجدد، والعثمانيين الجدد، يسيرون على خُطى الصهيونية، وهذه هي في جوهرها يهودية جديدة، أي بعكس التاريخ.
بإمكانهم أن يفترسوا شعوباً ضعيفة، جاهلة، فيظنّون أنّ الناس جميعاً ضُعفاء وجَهَلة. إنّ مرض جنون البقر يُصاب به حتماً المستعمرون مهما طال الزمن!
هذا بخصوص «الثورة السورية» المزوّرة، التي تـَخفّى في عباءتها السعوديون والعثمانيون والمستعمرون القُدامى والجدد! أمّا عن الدولة السورية، فإنّ من واجبها أولاً أن تحافظ على الوجود السوري، أرضاً وشعباً.
بتعبيرٍ آخر، إنّ المهمّة الرئيسية للدولة هي المحافظة على الأمن القومي.
استناداً إليه، تقع على الدولة مسؤولية إسكات المدفع الذي يرمي قذائفه على الأحياء من شقّة سكنية، وتعطيل الدبابة التي أُرسلت من أجل زعزعة أركان الكيان الوطني.
يتقدّم ضمان الوجود على ما عداه مهما بلغت التضحيات. هذه ليست خصوصيّة تتميّز بها الحكومة السورية من الدول الأخرى، الدليل على ذلك نجده في مبدأ صناعة الأسلحة الرّادعة.
إنّ امتلاك الدولة تَرَسانة تحتوي على رؤوس نووية يعني ضمنيّاً أنّ الدولة المعنيّة سوف تستخدم هذا السلاح إذا شعرت بأنّ وجودها في خطر.
ينبني عليه أنّ للجيش العربي السوري ملاحقة المتمرّدين بجميع الوسائل المتوافرة لديه، وبجميع الأساليب التي يراها مناسبة، من أجل إخماد الحرب التي تلتهم بلاده.
مجمل القول، إنّ «الثورة» السورية هي ثورة مزيّفة بامتياز، وإنّ الدليل القاطع على الغشّ الذي يُخالطها هو في عدم اعتراف «الثوار»، أمام معاناة شعبهم، بأنهم أخفقوا في الوصول إلى مقاصدهم المُعلَنة والمُضمرة.
لقد أضرّوا بالسوريين ضرراً كبيراً، وألحقوا ببلادهم دماراً هائلاً، ولكنّهم لم يستولوا على سورية ولم يتمكّنوا من محو وجودها، فلا شكّ في أنّهم سلكوا الطريق الخطأ. خمس سنوات مضت على بدء الحرب.
المجد في هذه المناسبة لكل جنديّ عربيّ سوريّ، لكلّ مقاومٍ تصدّى للعدوان على سورية، والخلود لشهداء معركة الذّود عن سورية حتى تبقى قلب العروبة النابض!